search
إصدارات
ارتباطات
المقامة الزمانية (مقامة)
18/10/2007

 
أبكي زمني الهزيل وأرثي الزمن الجميل، حين كان كل شيء على ما يُرام، وكان النور ممتداً من غير ظلام. أما هذه الأيام، فلا أحد يلقي السلام، وصار دين الناس دينارهم، ودينارهم محبوس في دارهم، والذمم نظيفة ما دامت الفواتير، والإنتاج صفراً إلا ما كان من أمر "مهاتير"، والوالدان تركا التربية للخدم، وتساهلا في الأخلاق والقيم، وهدم الأسر صار أسهل من ضرب الوتر، فلم يعد لكلمة "طالق" ذلك الوقع الصاعق. وإذا كان هذا حالنا، فكيف حال من سيأتي بعدنا؟ 

والكثير من الكلام يقال على المستوى العام، فلا يمر يوم في العراق إلا والدماء تراق، والحال في فلسطين يحيّر الفطين، وصوت العقل في بيروت مقموع ومكبوت، وطبول الحرب تدق على حدود سوريا ما لم تتعظ من كوريا، وفي الخليج يعلو الضجيج، بأبراج تسد الآفاق، وغلاء يلتهم الأرزاق، وتعصّب يملأ الرؤوس، وعلاج جاء بعد أن وقعت الفؤوس، حتى صار الإسلام متهماً في العالم إلى أن يثبت العكس، والحق واضح مثل البدر ومثل ضوء الشمس، والحبل على الجرار في باقي الأمصار. 

لكن حين شغلت عقلي، وتركت التفكير بقدمي، تساءلت: متى كان هذا الزمن الجميل الذي لم يكن فيه بكاء ولا عويل؟ أفي أيام صدام وتفرّق العرب بعد احتلاله الكويت؟ أم في زمن جمال ونكساته التي خيمت أحزانها في كل مقهى وبيت؟ أم في عصور التحرر من الاستعمار والحكم بالحديد والنار؟ أم أيام "سايكس- بيكو" والانتداب وتقسيم فلسطين؟ أم مع خوازيق ملك البرّين وخاقان البحرين وقاهر الجيشين وخادم الحرمين؟
أم في عصر المماليك وقتل الأزواج بالقباقيب؟ أم أيام الحروب بين الأخوة من بني أيوب؟ أم أيام الدويلات الفاطمية والإخشيدية والطولونية والطاهرية والصفارية والزيدية؟ 

أما ما جرى قبل هذا، وكيف صار وماذا، فخبره عند بديع الزمان الهمذاني، في قطعة فيها كل المعاني، كتبها قبل نحو عشرة قرون، يسخر فيها من القول المجنون، بأن الزمان فسد وما مضى كان جميلاً، فيرد رداً طويلاً، يبدأه متسائلاًً: 

"الشيخ الإمام يقول فسد الزمان، أفلا يقول متى كان صالحاً؟ أفي الدولة العباسية وقد رأينا آخرها وسمعنا بأولها.. أم في المدة المروانية وفي أخبارها لا تكسع الشول بأغبارها.. أم البيعة الهاشمية وعلي يقول ليت العشرة منكم برأس من بني فراس.. أم الأيام الأموية والنفير إلى الحجاز والصدور إلى الإعجاز.. أم الإمارة العدوية وصاحبها يقول: وهل بعد البزول إلا النزول.. أم في الخلافة التيميّة وصاحبها يقول: طوبى لمن مات في نأنأة الإسلام.. أم على عهد الرسالة ويوم الفتح قيل: اسكتي يا فلانة فقد ذهبت الأمانة..

أم في الجاهلية ولبيد يقول: ذهب الذين يعاش في أكنافهم/ وبقيت في خلف كجلد الأجرب. أم قبل ذلك وأخو عاد يقول: بلاد بها كنا وكنا نحبها/ إذ الناس ناس والزمان زمان. أم قبلها وقد روي عن آدم: تغيرت البلاد ومن عليها/ فوجه الأرض مغبر قبيح. أم قبل ذلك وقد قالت الملائكة: "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء".. وما فسد الناس، ولكن اطّرد القياس، ولا أظلمت الأيام، ولكن امتد الظلام.  


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01