search
إصدارات
ارتباطات
الإله لا يحتاج إلى قوانين
25/12/2005

 

في معرض رده على الانتقادات الغربية بشأن تشكيكه في المحرقة اليهودية، قال الرئيس الإيراني أحمدي نجاد إنه في الغرب بوسع المرء أن يسبّ الإله أو يشكك في وجوده دون أن يخشى العقاب، فالإلحاد هناك يعتبر حرية شخصية، ولكن إذا أعلنت تشككاً في صحة المحرقة، فإنك تقع تحت طائلة القانون.

ورغم أن نجاد يورد هذه المفارقة ليبدي تعجبه، إلا أن الذي يثير التعجب فعلاً هو تعجب نجاد وتعجب المتعجبين معه من كتاب ومثقفين. فبعيداً عن المحرقة، فالعجب كل العجب حين يعتقد بشر أنهم وكلاء الإله ونوابه، فيعاقبون بشراً آخرين حول علاقتهم بخالقهم جميعاً. 

إذا آمن المرء بوجود إله قوي قادر جبّار يحكم الكون، فإنه تلقائياً يؤمن أنه كما لا ينفعه إيمان المؤمن ولا صلاته حتى لو أتلف السجاد تحت قدميه، فإنه لا يضرّه إلحاد الملحد حتى لو ملأ قراطيسه شكوكاً وشتائم. ثم إن الإله لا يحتاج إلى مدافعين أرضيين، ولا إلى قوانين بشرية تحميه من البشر أنفسهم، بل على عكس ما يريد نجاد، فإن الإله الذي لا يستطيع أخذ حقه من مخلوقاته إلا من خلال قوانين مخلوقاته أنفسهم، إله جدير بالشك في وجوده. 

وإنك لا تجد في القرآن الكريم أي عقوبة دنيوية، وأقول دنيوية، على أيدي البشر بحق الذين يسبّون الله أو ينكرون وجوده، ولا أي طلب أو دعوة من الله للبشر ورؤساء الدول الإسلامية لمعاقبة هؤلاء، كل ما في الأمر أنه سيجمعهم في يوم معلوم يحاسبهم فيه على الكبيرة والصغيرة. فهل وصل الأمر إلى المزايدة حتى على الإله؟ وهل يصح القول إن الذي يفرض هكذا قوانين إله أكثر من الإله؟ ثم ما فائدة تخيير الناس بين الإيمان أو العقوبة؟ وهل يقبل الله إيمان الخائفين من السيوف والمشانق؟ 

ولو قيل إن المرء بوسعه أن يضمر ما يشاء بشرط ألا يظهره حفاظاً على النظام العام واحتراماً لمشاعر المؤمنين، فهذا يعني أن القوانين هي التي تدفع هؤلاء إلى إضمار شيء وإظهار شيء آخر، وهذه صفة المنافقين، فالقوانين إذن هي التي تخلقهم رغماً عن أنوفهم، والمنافق أخطر من المشكك والملحد. 

من جانب آخر، سيركب المشكك والملحد رأسه أكثر كلما تربصت به القوانين وكلما انتظره رؤساء الدول الإسلامية، وبفارغ الصبر، ليتفوه بكلمة ليقطعوا رقبته، فيصبح في نظر نفسه شهيداً للعقل وضحية للإرهاب الفكري، وبالتالي قميناً بتعاطف الآخرين معه وسبباً لانتشار آرائه وأفكاره. أما لو تُرك في حاله، فإن النفور التلقائي الذي سيجده عند الأغلبية الساحقة من الناس المؤمنين بوجود إله، كفيل بردعه: حين يتحدث فلا يسمعون، ويضحك فلا يأنسون، ويبكي فلا يعبأون، فهل هناك عقوبة أشد من هذا؟

ولو كانت المسألة مسألة غيرة دينية، فليكن الأمر كلمةً بكلمة، وكتاباً بكتاب، ودليلاً بتشكيك. مع ملاحظة أن كثيراً من المشككين ما شكوا إلا حين ظُلموا ثم صرخوا في غياهب السجون: أين الله؟ فجاءهم صوت خشن: "إينجا خدا نيست". كذلك بالنسبة لعدد من الملحدين الذين ما ألحدوا إلا حين سُلبت حقوقهم على أيدي حماة الأديان أنفسهم، وحين انتبهوا للفرق الصارخ بين كلام نواب الإله وآياته وبين أفعالهم. وفي أسوأ الأحوال: لو كان هؤلاء مستحقين للعقوبة، فالذي دفعهم إلى التشكيك والإلحاد يستحق كذلك، حينها لن يتعجب أحد.          

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01