search
إصدارات
ارتباطات
الأرض لن تدور إذا توقفوا...
13/12/2007

ما الذي يجعل محللاً رياضياً «محترف تحليل كورة» وليس له عمل آخر في هذه الدنيا المدوّرة، يتكلم في كل شيء عن بطولة كأس أمم آسيا: مستوى المباريات، أخطاء التحكيم، أداء اللاعبين، خطط المدربين، ثم يحاسب مدرب منتخب الإمارات الحاج عبدالكريم ميتسو كأنه ولي أمره؛ فيتساءل عن سبب الابتسامة التي علت وجهه بينما كان فريقه خاسراً، ثم يطالبه وعلى الهواء مباشرة بأن يذهب يسحي، أي يمشّط، شعره. إنه البث الفضائي أبو 24 ساعة في 7 أيام على مدار السنة.

لذلك فالمطلوب من المحلّل الرياضي أن يتكلم ساعة وساعتين قبل المباراة، وبين شوطي المباراة، ثم ساعة وساعتين بعد المباراة، وربما يتكلم في المباراة التالية، وهكذا.. ثم يُدعى إلى الاستديو في المساء، فيذهب إلى البيت يأكل سريعاً ويبدل كندورته، ويلبس كندورة ولده، ليأتي إلى الاستديو الليلي و«هات يا تحليل».. من أين سيأتي بكل هذا الكلام؟ يُضطر هذا المحلل وغيره إلى الكلام حتى عن أطقم تقويم أسنان اللاعبين وأثاث المدرب في بيته ونوع البترول الذي تستعمله سيارة الحكم والطابوق المستخدم في إنشاء المدرجات.

وما الذي يجعل بعض أصحاب الزوايا اليومية في الصحف يكتبون كلاماً مملاً ومكرراً، وأكثره ردود على قراء، وردود القراء عليهم، وردودهم على ردود القراء؟ وما الذي يجعل الكاتب يكتب رأيه في القضية الواحدة عشرين ألف مرة، بحيث إنك ما إن تعرف القضية التي يطرحها إلا وتقول في نفسك، وبصوت مسموع على شكل صراخ يتخلله بكاء: «والله العظيم أعرف رأيك».

أحد أهم كتّاب إحدى أهم الصحف العربية يكتب زاوية يومية في الصفحة الأخيرة، وهي إن لم تكن أهم من الصفحة الأولى فهي في مستواها، ولأن الرجل يكتب كل يوم، بات ينسى أنه كاتب وليس رئيس منظمة دولية تنتظر الدول رأيه في قضايا العالم على أحر من سيخ الكباب.

انظر ماذا يقول هنا: «لاعتبرته أنا منظمة إرهابية ولأدنته في هذه الزاوية». وفي يوم آخر يقول: «الحرب كانت مبررة، وقد أيدتها شخصياً مع العالم كله».. وفي المقال العظيم نفسه يقول: «وأفضّل شخصياً أن أنتظر التقرير»، والتقرير المقصود هو التقرير الذي سيوضع على طاولة أهم رجل في العالم، جورج بوش. وفي يوم ثالث يقول: «غير أنني أعترض بشدة على..» ويضيف، لا فُضّ فوه: «ثم أعترض بشدة مماثلة على..» ويضيف، لا شُجّ نافوخه: «أسجل اعتراضي على..». السبب وراء هذا التكرار، أو هذا التضخم في الذات، هو أيضاً الالتزام بعمود يومي 365 يوماً دون انقطاع إلا في الظروف القاهرة.

والكاتب هنا لا يجد الوقت الكافي لمراجعة ما يكتب، فالمطابع لا تنتظر. وحتى لو كان كاتبنا يشعر بأهميته لدرجة أن الكرة الأرضية لن تدور إذا توقف هو عن الكتابة، فهو سيحاول إضفاء شيء من التواضع على كلامه لو كان عنده الوقت لمراجعة ما يكتب.

وبعض الكُتاب اليوميين المتواضعين، يكتبون كتابات متواضعة تعتمد على الشائعات والأقاويل، ليس لأن ذممهم واسعة، بل لأن التأكد من المعلومة يحتاج إلى اتصالات ومتابعات، وبالتالي ستصدر الجريدة والزاوية خالية، لأن كاتبها ما يزال يتأكد من المعلومات.
 
بالطبع، لا يمكن التراجع عن البث الـ 24 ساعة/ 7 أيام، ولا يمكن كذلك التراجع عن الأعمدة اليومية والزوايا الثابتة، لكن يمكن، رحمة بالمحللين أنفسهم وبالكتّاب، وإشفاقاً على المتابعين والقرّاء المساكين، زيادة عدد المحللين، بحيث يُعطى لكل واحد منهم ساعة واحدة فقط يحلل فيها. والأمر نفسه بشأن الكتاب، مقال أو اثنين أو ثلاثة في الأسبوع، وليس سبعة، في عين الحسود.. والقارئ.


Share |
|
|
|
آمنة الشحي
21/1/2008 6:19 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اشكرك على موضوعك وتملك المحلل الرياضي لدور محلل الكرة الارضية وقيام بعض الاخوة الصحافيين بكتابة عمود او زاوية يومياً بسبب (اي بموضوع) او بدون سبب (دون موضوع يذكر) فقط لتعودهم لإدراج اسمائهم وصورهم في الجريدة
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01