search
إصدارات
ارتباطات
مَن زرع للأتراك شجرتهم؟
27/12/2007

 

لشجرة "الإسلام التركي" ثمار يأكلها الأتراك اليوم. منها أن تركيا، وهي أرض إسلامية، بل كانت عاصمة للخلافة في يوم ما، قبلت الإصلاحات والتحديث، وهو ما لم يحدث في أكثر بلاد المسلمين. ومنها أيضاً أنها حصرت أزمات حكوماتها المتعاقبة مع المختلفين معها عرقياً وليس دينياً، كالأرمن مثلاً، وحمتهم من الانزلاق، مثل غيرهم من الأكثريات الإسلامية، في صراعات مع الأقليات غير المسلمة في بلادهم كالمسيحيين. وجعلتهم منفتحين على الآخر لدرجة أنهم لا يعتبرونه عدواً، كما عند أكثر المسلمين، وإنما مختلفاً فحسب، حتى باتوا على وشك الجلوس إلى مائدة الاتحاد الأوروبي، وهي مائدة مليئة بالأطباق المسيحية حتى وإن تزينت بشموع العلمانية. 

وهي كذلك منحتهم تداول السلطة بشكل سلمي ما بين الأحزاب مختلفة التوجه، وهو شيء أشبه بالمعجزة في بلاد المسلمين. وهي أيضاً، وخلافاً لما يحدث مع جماعات الإسلام السياسي، جعلت إسلامييهم ملتزمين طوال الوقت، وعلى الرغم من التضييق عليهم، بالدستور العلماني. وأخيراً، هي التي جنّبتهم التأثر بأفكار حمقى "القاعدة". 

لكن، من الذي زرع هذه الشجرة أصلاً؟ بعض من ينظرون إلى "الإسلام التركي" بعين التشكيك باعتباره ليس "إسلاماً" من الأساس، يعتقدون أنها مِن زرع أتاتورك حين فصل الدين عن الدولة وأصبح الإسلام هناك رهين المحبسين: المسجد والبيت. وهو اعتقاد غير صحيح، فالشجرة كانت موجودة على الأرض قبله، فبحسب المفكر التركي شريف ماردين أن "الإسلام التركي له شخصية مميزة منذ بدايات الدولة العثمانية، فقد هضم أفكار عصر التنوير (التفكير العقلي والحداثة والديمقراطية) عبر التصوف في نهاية القرن الثامن عشر". 

لذلك يمكن القول ومن دون مبالغة إن "جلال الدين الرومي" هو الذي زرع للأتراك شجرتهم من دون أن يخصهم بها، وإنما اتخاذه مدينة "قونية" مستقراً له مكّن الأتراك من الاستفادة من فكره. فهو، كما تصف الصحافية منال لطفي في ملف أعدته عن تركيا ونشرته جريدة "الشرق الأوسط" في سبتمبر الماضي: "أثر في فهم الأتراك للإسلام كما لم يفعل أحد من قبله أو بعده، ففي منازل الأتراك ومتاجرهم ومؤسساتهم الخاصة ستجد دائماً أشعار الرومي معلقة على الحوائط.. والكثير من الأتراك عندما تتحدث إليهم يقولون لك: مِنْ غير الرومي لم يكن لتركيا بكل هذه الأعراق والطوائف والديانات أن تتعايش معاً بكل هذا القدر من الانسجام". 

ويضرب ماردين مثالاً في الطريقة النقشبندية التي "دعمت حركة التنوير التركي، ودعمت الإصلاحات الدستورية في الدولة العثمانية بدلاً من أن تقف ضدها". ويرى أن "ما ساعد على خلق هذا الفصل بين شؤون الدين والدولة هو أن رجال الدين أنفسهم فصلوا أنفسهم عن الحكم بإرادتهم الحرة"، وأن الطرق الدينية التركية دعمت حركة "الاتحاد والترقي" ضد السلطان عبدالحميد الثاني بعد أن رفض مطالب سعيد النورسي، وهو أحد قادة الصوفية، وآخرين غيره، في تقييد سلطاته وإنشاء جامعة للنهضة العلمية. 

وحري بالعرب أن يستفيدوا من تلك الشجرة، فالأتراك لم يتركوا دينهم ليلحقوا بالآخرين، على الأقل على المستوى الشعبي، فرفع الأذان باللغة التركية مثلاً، توقف في الخمسينيات إثر إجراء أول انتخابات حرة، والحجاب التركي في الجامعات سيعود في أي لحظة، لكنهم في الوقت نفسه اعتنوا بشجرتهم التي تشبه في جذعها وأوراقها أشجار الإسلام التقليدي لكن ثمرها مختلف.

 


Share |
|
|
|
أحمد أميري
11/5/2008 01:39 AM
شكرا أختي مريم على التواصل والتعليق..
مريم القبيسي
22/4/2008 12:13 AM
مشكووووور أخوي على هذا الموضوع التاريخي واللي جدا رائع تسلم مرة أخرى
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01