search
إصدارات
ارتباطات
توبة صدام
15/1/2006

 

مع دخول صدام حسين المحكمة حاملاً المصحف الشريف، اكتشف أحد الجهابذة مفارقة تستحق التأمل، وهي أن صدام، رغم تسبّبه في قتل الآلاف، هو الآن في السجن وأمامه فرصة التوبة، ولعلّه يفعلها، ثم يلقى الله حاملاً المصحف الشريف، فيغفر ذنوبه ويدخله الجنة، هكذا ببساطة· ويستطيع المرء أن يعرف الآن لم اعتزل الحلاج الناس، لكنهم لم يعتزلوه بل قطّعوه إرباً وأحرقوه ونثروا رماده في النهر على مرأى ومسمع وهتاف جهابذة ذلك الزمان.

الأسوأ من الاكتشاف، الحجة التي بنى عليها وهي قصة الرجل الذي قتل تسع وتسعين نفساً، فسأل إن كان له توبة، فدُلَّ على راهب لم يعطه ما أراد، فقتله فكمل به مائة· ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على آخر منحه الأمل في التوبة، وأشار عليه أن انطلق إلى أرض كذا وكذا، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء، فانطلقَ حتى إذا نصَفَ الطريق أتاه الموت. فاختصمتْ فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقيل لهم: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة. 

لا أدري ما صحة هذه القصة، وحتى لو كانت صادقة في نظر الرواة، فإنها تعارض القرآن الكريم معارضة مكشوفة وواضحة، ومعلوم أن القصص والحكايات لا تقدّم على الآيات البيّنات. فالقرآن يعارض القصة حين يصرّح: "ومن يقتل نفساً بغير نفس" وكذا "من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً". فلو كان قتله التسع والتسعين بحق، لما بحث عن التوبة أصلاً، ولو كانوا مستحقين القتل بافتراض أنهم قتلوا آخرين، فقتل الراهب كان عدواناً. 

هذا الواحد يكفي ليرتاب المرء في القصة من أساسها والتي قد تكون من وضع الوضّاعين للتغطية على جرائم بعض الخلفاء الجبّارين والسلاطين الظلمة وتجميل صورتهم ورسم طريق التوبة لهم في أعين الناس، بينما هم أنفسهم يروون أن المنتحر مخلّد في النار رغم أنه لم يقتل إلا نفسه، ويهوّلون من عذاب أهل الطرب غناء واستماعاً، ويصفون أشكالاً من العذاب لمن أبدت للناس شُعيرات من رأسها.

بعيداً عن السفاح، فجريمة واحدة من جرائم صدام كانت قتل خمسة آلاف إنسان في حلبجة، ولنفترض أن رجالهم ونساءهم وشيوخهم كانوا يستحقون القتل، فما ذنب الأطفال الذين لم يخطئوا ولم يفعلوا شيئاً؟ فالآية واضحة: "ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً". وعلى افتراض أنهم لم يكونوا مؤمنين، فإن الأطفال، حتى أطفال غير المسلمين، يعتبرهم الإسلام بنصوص أخرى مؤمنين بالفطرة.

ما هذا الاستحلال للقتل والاستخفاف بإزهاق الأرواح وهي أسمى وأغلى ما في الوجود؟ وأين هذا من قول الرسول عليه السلام: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم"، وأين حقوق الناس والخصوم التي ستجتمع؟ وكم مرة على صدام أن يتوب ويختم القرآن ليرد للقتلى أرواحهم وللجرحى دماءهم وللمعاقين حركتهم وللأيتام آباءهم وللآباء أولادهم وللأرامل أزواجهن وللثكالى فلذات أكبادهن وللغرباء أوطانهم وللمسجونين حياتهم وللناس في العراق والمنطقة حقوقهم وأمانهم وطمأنينتهم؟ وسيخرج المتنطّعون مخالفين بألسنة حداد يحكون قصصاً ينسبونها إلى الله ورسوله ولا جواب لهم إلا سلاماً. 

 

 

Share |
|
|
|
السلمندر
6/7/2009 5:13 PM
هذا ما وعد الله وصدق المرسلون نهاية الطاقية ان ربك لبالمرصاد
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01