search
إصدارات
ارتباطات
الدعاة والقناطير المقنطرة!
0/0/0000

 

إذا كانت أرقام مجلة "فوربس" بشأن "فلوس" الدعاة دقيقة، فنحن أمام تجارة مضمونة تدر ذهباً وقناطير مقنطرة من الدولارات، فالداعية الأول، النجم عمرو خالد، بلغ دخله الصافي العام الماضي، بعد ألف ما شاء الله، نحو 2.5 مليون دولار، أي 750 ألف درهم شهرياً.

وجاء في المرتبة الثانية الداعية طارق سويدان بمليون دولار. والثالث، صاحب كتاب "لا تحزن"، الداعية عائض القرني الذي لن يحزن بعد نحو 533 ألف دولار دخلاً صافياً في سنة واحدة فقط. أما المركز الرابع فكان من نصيب الداعية عمر عبدالكافي، أطال الله في عمره وفي دخله الذي بلغ نحو 373 ألف دولار. وقبع الداعية سلمان العودة في المركز الأخير بـ 267 ألف دولار. 

وقبل أن يسيل لعاب أحدكم ويقرر مزاحمة الدعاة "المليونيرية"، عليه أن يعرف أن الملايين تثير من حوله أسئلة الحسّاد والفضوليين وأصحاب اللسان الطويل الذين يرفعون الضغط بكلامهم.

فقد تُسأل يوماً: يا شيخ، أنت تكثر من ذكر قصص الأنبياء ولكنك كمن يحمل العلم على ظهره ولا يعمل به، فأنت تتكسّب من الدعوة، بينما الأنبياء كانوا يكسبون من عملهم، وفي الوقت نفسه يؤدون رسالات ربهم. 

فهذا نبي الله إدريس، الذي سمي بذلك لكثرة دراسته الكتب السماوية، كان يعمل خيّاطاً. والنبي نوح، الذي جاء اسمه من نواحه على نفسه وليس على أحوال الناس كما تفعل أنت، قيل: كان نجّاراً. وهود كان مزارعاً. وإبراهيم الخليل كان يعمل في خدمة وصيانة أموال زوجته سارة. ولوط كان ذا أموال طائلة.. وبالطبع لم يجمعها من الدعوة. ويعقوب كان خادماً لبيت المقدس. ويوسف الصدّيق عمل وزيراً لملك مصر.


أما المسيح عليه السلام، فلا أبلغ من وصف الإمام علي له حين قال: "فلقد كان يتوسد الحجر ويلبس الخشن، وكان إدامه الجوع، وسراجه بالليل القمر، وظلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها، وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم.. دابته رجلاه وخادمه يداه". ونبينا صلى الله عليه وسلم عمل راعياً ثم تاجراً.

ستقول له: يا بني إن الأنبياء كانوا مؤيدين من الله ويستطيعون التوفيق بين الدين والدنيا. سيرد عليك: فماذا عن الصحابة الذين كانوا يعملون وينشرون الدعوة على الرغم من أنهم لم يكونوا متصلين بالسماء، فأبو بكر كان بزّازاً، وعثمان تاجراً، وعلي يُصلح الأراضي ويحفر الآبار.. إلخ. 

وقبل أن تفتح فمك بكلمة، سيضيف: ولا تقل لي إن الدنيا تغيرت ولا يمكن الجمع بين العمل والدعوة، لأن التكسّب ليس شيئاً جديداً، فقد تكسّب سلف مضى في زمن لم يكن قد تغيّر بعد، وسبقهم إلى ذلك كهنة تكسّبوا من الدعوة إلى الله والتحريض على قتل الأنبياء!

والدنيا فعلاً تغيرت، وبعض ما يصلح لزمن، لا يعود صالحاً لزمن آخر، لكنك حين تسمع هذا الكلام تغضب، وتتهمني بالتفريط، فهل الدنيا تغيرت فقط في أمور الدعوة؟

وإذا قلت إن الحياة تعقدت والتخصص بات ضرورياً، فأنت أول من لا يحترم التخصص، فتتدخل في الطب والاقتصاد والمجتمع والسياسة.. وحتى في كرة القدم. 

ويضيف صاحب اللسان الطويل: هل هناك نص قرآني أو حديث نبوي يجيزان "عملك"؟ وقبل أن ترد، سيقول لك: لا شيء. أما الآية: "فلولا نَفَرَ مِن كل فرقةٍ منهم طائفةٌ ليتفقهوا في الدين" ليس فيها ما يدعو إلى التكسّب إلا إذا أحلتني على أقوال علماء متأخرين أجازوا التكسّب لأنهم كانوا يتكسّبون أيضاً. 

ولن يتوقف إلا بعد يسمعك أغنية "بوس الواوا"، فيقول لك إن منتجي هذه الأغاني ومنتجي أفلام المقاولات يقولون إن "الجمهور عاوز كده"، فالمهم عندهم رأي الجمهور لأنه هو الذي يدفع، وليس رأي النقاد أو المثقفين. وأنت إذا أغضبت بكلامك الجمهور، فلن تكون نجماً على الشاشات، وليس أمامك إلا أن تقول ما يُرضي الجمهور.. والمنتجين. 

وفوق هذا، ينصحك صاحب اللسان الطويل قائلاً: إنني يا شيخ أعرف أن ترك هذه التجارة يحتاج إلى مجاهدة نفس عظيمة، والإنسان ضعيف أمام الفلوس، لكنني أرجوك أن تحزن، لأنك نلت أجر عملك مقدماً وفي هذه الدنيا وليس في الآخرة كما تبشّرنا دائماً، بدولارات الفضائيات، وبوقوف المؤمنين بين يديك احتراماً، وببدئهم السلام عليك توقيراً، وطأطأة رؤوسهم أمامك إجلالاً، وصمتهم في حضورك هيبةً، وذرفهم الدموع حباً، وهذا هو أجرك و"زيادة".

 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01