search
إصدارات
ارتباطات
الهلال لا يزال بيد الفقهاء
28/8/2008

 

حصل في السنوات الماضية أن صامت بعض الدول 28 يوماً وأخرى 31 يوماً بسبب الاعتماد على رؤية الشهود، فقيل في تفسير ذلك أن أحدهم رأى جرماً سماوياً لا علاقة قرابه بينه وبين الهلال، والآخر دخل رمش إلى عينيه فاعتقده الهلال، والثالث رأى شخصاً اسمه "هلال" مرّ من هناك، فراحوا أحفاد "زرقاء اليمامة" يشهدون أنهم رأوا الهلال في الوقت الذي تؤكد فيه المراصد الفلكية عالية الدقة التي ترى أحجار المريخ استحالة الرؤية، أو حدث العكس، رأته المراصد بينما الشهود يقسمون بأغلظ الأيمان بأنهم لم يروه. 

يُقال هذا من باب الدعابة، لكن ما لا يُقال إنه من الإفراط في حُسن الظن الاعتقاد بأن رفض فريق عريض من الفقهاء الحسابات الفلكية في تحديد أوائل الشهور القمرية، خصوصاً رمضان وشوال، رفض يستند فقط إلى النص الشرعي الذي يقضي بالصوم والفطر بالرؤية البصرية، والمختلف أصلاً في تفسيره. 

الإنسان بطبعه يميل إلى الاحتفاظ بالصلاحيات في يده، فالصلاحية تعني المسؤولية التي ترتبط ارتباطاً لا يتجزأ بالسلطة والنفوذ والشهرة والشعور بالأهمية، فكيف يُتوقع أن يسلّم الفقهاء صلاحية إعلان الصوم والفطر لمئات الملايين من الناس إلى علماء الفلك، خصوصاً أن الفقهاء عادة يرون أنفسهم الأعلون، وأن العلم الذي بين أيديهم هو أشرف العلوم قاطبة، بل إن بعض أسلافهم كانوا يرون باقي العلوم لغواً لا طائل منه؟

وكيف سيحبسون أنفاس الناس إلى آخر دقيقة ليلة الأول من رمضان وليلة العيد، إذا كان الناس مكتفين بالحسابات الفلكية التي تحدد رمضان وعيد المئة سنة القادمة؟ علماً بأن تلك الحسابات نفسها هي التي تحدد وقت دخول صلواتنا الخمس كل يوم! 

أبناء أي مهنة وتخصص، يجادلون مثل السفسطائيين لإبقاء صلاحياتهم تحت أيديهم، فالبلديات تجادل شرطة المرور للاحتفاظ بصلاحية التحكم في الشوارع، والمرور يحاولون سحبها لأنهم يعتقدون أنهم الأجدر بها كونهم يتعاملون مباشرة مع السائقين، والفقهاء مثل باقي الناس، بشر مثل البشر، لا يختلفون عنهم في شيء اللهم في تخصصهم الذي لا علاقة له بالورع والتقوى ليكونا حائلاً بينهم وبين الأهواء والتنازع على عرض الدنيا.

ما يزيد من تمسّك الفقهاء بتلك الصلاحية هو أن المسافة بينهم وبين الحكّام والسلاطين زادت بعد أن كانوا على بُعد أمتار قليلة عنهم، وأن صلاحيات أخرى سُحبت من تحت أقدامهم لصالح الدولة، ويخشون أن يواجهوا المصير الذي يواجهه رجال الدين في أوروبا المعزولين في كنائسهم.

فأمر تعيينهم وعزلهم بيد موظفي الدولة المدنيين كالوزراء، ومنصة القضاء التي كانت حكراً عليهم في الأيام الخوالي، بات القضاة المدنيون يشاركونهم عليها، بل ويشاركونهم حتى في التصدي للقضايا الشرعية، والتوجيه والنصح أصبح فناً قائماً بذاته له نجومه ومحاضروه ممن نقلوا هذا الفن من الغرب وعرّبوه وأضافوا إليه لمسات إسلامية، والإفتاء على غير المنهج الذي ارتضته الدولة لنفسها أو الجلوس للإفتاء في كل مقام، يؤديان إلى محاسبة وإيقاف عن العمل، بل حتى موضوع خطب الجمعة تختاره لهم الدولة، وتراقب عدم خروجهم عن النص في أوقات الحماسة والانفعال. وضبط هذه الأمور ضروري لئلا يخرج كل واحد منهم برأي يعارض رأي صاحبه، وهو ما يؤدي إلى وقوع الفتنة بين الناس.

لعل إثبات دخول رمضان وخروجه، هو بعض ما تبقى للفقهاء، في المدرسة السُنية بطبيعة الحال، من صلاحيات تبسط سلطانهم على الناس مباشرة ولا يزاحمهم فيها موظفو الدولة الآخرون، وذلك بذريعة وجود النص الشرعي الذي ينظر إليه كل واحد من زاوية توافق هواه.

Share |
|
|
|
أحمد أميري
31/8/2008 5:35 PM
"من بُقك لباب السما" أختي أسماء.
أسماء المعمري
29/8/2008 2:24 PM
أمنية حياتي نتفق نحنا العرب والمسلمين ونعيش فرحة رمضان والعيد سوى وحسبي الله عليهم تحياتي
أحمد أميري
29/8/2008 02:59 AM
وإنا لمنتظرون..
لطيفة الحاج
28/8/2008 10:37 AM
تخيلت ان يتنازل الفقهاء عن عرش تحري الهلال، سنفتقد صدقا الأكشنات التي تحدث قبل رمضان والعيدين =) سيأتي هذا اليوم قريبا .. قياسا على المهام التي كانت بيد الفقهاء وسحبت عنهم .. أطيب التحايا =)
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01