search
إصدارات
ارتباطات
الأحاديث والروايات المسيئة
1/3/2006

 

أثناء متابعتي فيلم "الرسالة"، وصلتني دعوة مقاطعة البضائع الدانماركية على خلفية إساءة صحيفة دانماركية للنبي (صلى الله عليه وسلم)، فتساءلت عن الذي يسيء فعلاً: الرسامين السخفاء الذين لا يعرفون عن هذا النبي العظيم شيئاً، فأساءوا إليه بجهلهم أو تعصبهم، فما زادوا المسلمين إلا تمسكاً بدينهم، أم المؤرخين المسلمين ومن بعدهم مؤلف ومخرج الفيلم، الذين أساءوا إلى النبي في أحد المشاهد وهم يعرفونه حق المعرفة؟

 في هذا المشهد يقوم المسلمون بطمر الآبار في بدر لئلا يشرب منها كفار قريش الذين يتدافعون على كل من يحمل ماءً، فينظر صناديد قريش بعضهم إلى بعض بما يوحي أن الخلاف سيدبّ بينهم لو استمر الوضع على ما هو عليه، فيبادرون إلى الهجوم على المسلمين. 

لا يهم هنا ما يقوله المؤرخون ولا ما يراه المخرج. المهم هنا هو قوله تعالى واصفاً نبيه: "وإنك لعلى خلق عظيم"، ومن كان على خلق عظيم لا يقطع الماء عن أعداءه حتى لو كانوا في وضع المواجهة، و"الحرب خدعة" لا تشمل قطع السبب الأول للحياة، خاصة وأن الحرب لم تكن قد بدأت بعد. ثم أين البطولة والفروسية والنبل في منازلة عدو يترنّح من الظمأ؟ والغريب أننا لا نجد في حروب العرب قطعاً للماء سوى في غزوة بدر وواقعة كربلاء. 

مع ملاحظة أن قطع الماء ليس تدبيراً حكيماً، فشراسة الذي يقاتل من أجل شربة ماء أشد من الذي يقاتل لأجل عيون أصنام لا ترى أو في سبيل "كراتين" تحملها قافلة. فهل كان المقصود دفع الكفار إلى الاستبسال في القتال؟ مع الأخذ بعين الاعتبار أن الله لم يبعث الأنبياء ليبيدوا الناس، إنما هداية للبشر ورحمة بهم. والذي يهدي والذي يرحم لا يقطع الماء ليهلك أعداءه. والعجيب أننا مأمورون من النبي نفسه بسقي الحيوان قبل ذبحه. 

الموضوع ليس موضوع مشهد في فيلم، إنما عشرات الأحاديث والروايات التي تناقض خلق النبي، كحديث التضييق على النصارى في الطريق. ولا يجوز الاعتراض هنا بأن هذه الشواهد فيها الصحيح وفيها الضعيف، فهذا علم لا يعرف تفاصيله حتى عامة المسلمين، فما بالك بغير المسلمين؟ ومع علم المستشرقين بالصحيح والضعيف إلا أننا لا نستطيع إلقاء اللوم بالكامل على غير المنصفين منهم، فطالما وردت هذه الشواهد في كتبنا، فقد ألزمنا أنفسنا بها. 

ناهيكم عن دور أشخاص مثل بن لادن وأبو حمزة المصري وأضرابهما في تشويه صورة الإسلام قولاً وفعلاً. ورغم أنهم لا يمثلون إلا أنفسهم إلا أننا نردد دائماً بأن ملة الكفر واحدة، وكثير من دعوات المقاطعة طالبت بمقاطعة كل ما هو غربي. فبعضنا اتهم كل الغربيين لأن نفراً منهم أساءوا، فهل نستغرب إذا وصَفَنا بعضُهم بأننا جميعاً نشبه بن لادن؟
 
ينبغي أن يتوقف المتطرفون المحسوبون على الإسلام، والذين يعيشون عالة على المجتمعات الغربية، عن تطرفهم، والعمل على "تنظيف" كتبنا من كل ما يتعارض وشهادة الله لنبيه الكريم بأنه على خلق عظيم. أي يجب الاختيار بين قبول كلام الله وقبول كلام الرواة والمخرجين. أما الجمع بين هذا وذاك، فهو قمة التناقض وباب مفتوح لكل من يريد الإساءة بقصد أو بجهل. 

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01