search
إصدارات
ارتباطات
المواد الإعلامية تعبر الأنابيب
26/9/2008

 

مع قرب صدور قانون ينظم النشاط الإعلامي في الدولة بديلاً عن القانون الاتحادي لسنة 1980 بشأن المطبوعات والنشر، طالب عدد من الإعلاميين، عبر إحدى الصحف المحلية، بضرورة أخذ رأي جميع الأطراف المعنية قبل إقرار القانون، مثل رؤساء تحرير الصحف ومديرو التلفزيونات والإذاعات وجمعية الصحافيين والخبراء والمخضرمين من الإعلاميين وجمعيات النفع العام التي يتداخل عملها مع الحريات العامة والقوانين المنظمة لأوجه نشاط المجتمع المختلفة.  

اعتبر الإعلاميون أن تجاهل مطالبهم يعني صدور قانون جديد ما هو إلا نسخة مكررة لكن منقحة عن القانون القديم الذي بلغ من العمر عتياً وتجاوز الثامنة والعشرين، ويعتبر هذا السن سن شيخوخة بالنسبة للقوانين في عالم متسارع يتغير بين اللحظة والأخرى، معتبرين أن تأخر الإمارات للمركز الـ 137 في حرية الصحافة وفقاً للتقارير الدولية، يستحق اهتمام وسعي المشتغلين على القانون الجديد للعمل على التقدم في هذا المجال من خلال التأكيد في مواده على كل ما يؤكد حرية الصحافة ويعززها بشكل لا واضح وصريح لا لبس فيه ولا يحتمل التفسيرات المختلفة عند التطبيق. 

لا أظن أحداً من العاملين في المجال الإعلامي يعارض هذا المطلب، لكن اللوم لا يقع كله على قانون المطبوعات والنشر العجوز، وليس هو وحده المسؤول عن تأخر الإمارات في حرية الصحافة إلى مركز لا يليق بدولة تصنّف في أكثر من مجال بأنها دولة متقدمة ومتحضرة. ولن يكون في جوف القانون المنتظر العصا السحرية لصعود الإمارات إلى مركز متقدم في حرية الصحافة، حتى لو كانت كل مواده تؤكد على الحرية والشفافية وضمان الوصول إلى المعلومة وغيرها من مقومات الصحافة الحرة، بل حتى لو سمي القانون بالقانون الاتحادي لحرية الصحافة. 

أعتقد أن أهم سبب في تأخر الإمارات في هذا الشأن هو كثرة الأنابيب التي تمر من خلالها المواد الإعلامية حتى تصب في النهاية بين يدي المتلقي، وهي أنابيب تتدرج في السعة، تبدأ من أنبوب القانون الواسع نسبياً، مروراً بتوجه مالك الوسيلة الإعلامية، ثم سياسة ومنهج التحرير، ثم أنبوب مراعاة ومداراة المعلن والتاجر، ثم أنبوب مزاج أو خوف أو "ضمير" معدّ المادة أو كاتبها، ثم رقابة أو تدخل المحرر، خصوصاً أنه سيقف مع كاتب المادة ورئيس التحرير أمام المحكمة في حال المخالفة وفق مشروع القانون الجديد، وتنتهي بقناعات أو هواجس المسؤول الأخير عن النشر أو البث.  

الخوف والرقابة هنا لا يقف وراءها القانون أو سياسة وتوجه الوسيلة الإعلامية فقط، فهناك الخوف من المجتمع وجهة العمل، بالنسبة للمتعاونين الخارجيين والمستكتبين، والخوف من نظرة الأصدقاء والأهل، لدرجة أن رسام كاريكاتير إماراتي كان طريق المستقبل أمامه سالكاً، لكنه ترك الرسم بعد أن أقسمت عليه أمه ألا يرسم الوجوه والأشخاص بسبب المحاذير الشرعية المبالغ فيها، وهذا مثال لأنواع الأنابيب المختلفة التي تكون الأمهات جزءاً منها، لتكون المادة الإعلامية في آخر المطاف مسخاً عن المادة على حالتها الأولى أو كما كانت تدور في ذهن معدّها أو كاتبها، أي مادة لها رائحة الحرية فقط، وتكون النتيجة النهائية الحصول على المركز 137 في حرية الصحافة.

 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01