search
إصدارات
ارتباطات
خطبة طفل في أذن أبيه
25/10/2008

 



كلما رُزق أحدنا بطفل، ضمّه إلى صدره للمرة الأولى والأخيرة ونظر في عينيه وقال: مسكين يا ابن الألفية الثالثة، ستكبر تحت نظر وسمع ويد الخادمة، لأنني مشغول بدوام طويل يأكل 10 ساعات من يومي، ومشاوير هنا وهناك تلتهم 3 ساعات، وشوارع وأكل واستعداد وحمام تأخذ 4 ساعات، والباقي 7 ساعات أتقلّب فيها على الفراش مع أمك.

 يضيف الأب وهو يضع طفله في المهد: وأمك مثلي تعمل ليل نهار، إما لتحسين دخل الأسرة، فالأسعار مثل البالون المنفوخ بالأوكسجين، تصعد ولا تنزل، أو لتحقيق ذاتها أو ما يسمّونه «كيان المرأة»، وهو يشبه الكيان الإسرائيلي: يدوس في طريقه كل ما ومَن يعترضه حتى لو كانوا أطفالاً، أو لرد الجميل للوطن الذي لم يبخل عليها بشيء، فتركب شاحنة الوطن وتسحق أطفالها. 

لو قدّر لطفل اليوم الكلام لرد على خزعبلات من أنجبه دون أن يجبره أحد، ثم تركه يرعى ويكبر مع الأغنام السائبة، ولقال بعد أن يضع المصاصة جانباً ويحمد الله ويثني عليه: أما بعد، فاسمع يا أب، ما تقوله ليس دقيقاً، فما ينطبق عليك، كان ينطبق على آباء الأجيال السابقة الذين لم يهملوا أطفالهم، وينطبق حتى على عصر الجاهلية وما قبله منذ أن خلق الله الدنيا في ستة أيام ثم استوى على العرش. 

يتعجب الأب من طفله الذي يضيف قائلاً: أنت تعمل 10 ساعات في أجواء مكيفة وعلى كرسي مريح وأمامك أكواب «الكابتشينو»، بينما جدك كان يعمل بيديه، وسيارته رجلاه، يعمل في البحر والبر والحقل والجبل، فيعود إلى كوخه أو خيمته وبطاريته فارغة من الطاقة ويحتاج إلى ساعات ليشحن نفسه من جديد. 

خذ فقط رحلة الحج إلى بيت الله الحرام، أنت اليوم تصل إلى هناك في أقل من ربع نهار، بينما هم كانوا يصلون في شهر أو أكثر، والفرق بين المدتين، يمكنك استغلاله في رعايتي والاهتمام بي، لكنك لا تفعل يا محترم. 

وأنت يا أبي تحسد أجدادك على وقت فراغهم «الكبير» الذي قضوه مع أسرهم، وأنا متأكد من أن أجدادك كانوا يحسدون أجدادهم، وأجداد أجدادهم كانوا يحسدون أيام سام وحام ويافث. كل جيل يعتقد أن أيامه تمر سريعة، وكلهم يحسدون أيام آدم، بينما الحقيقة أن أصعب زمن كان زمنه. 

أما أمي التي لا أقدّر عملها مهما كانت الحجج، فوقتها لا يضيع في أشياء تافهة وبسيطة كانت تهدر وقت أمهات الأمس، فلكي تطبخ كانت الأم تحتاج إلى ساعة في البحث عن حطب، وساعة في إشعال النار، وساعة في تجهيز العناصر الأولية وتحويلها إلى مواد قابلة للطبخ، فاللحم لم يكن قطعاً جاهزة تنتظر آكليها في الثلاجة، والأرز لم يكن يأتي نظيفاً في «شِوال». 

أمّ اليوم تستطيع في دقائق تجهيز حليب لطفلها، لكنها لا تفعل، وأم الأمس كانت تضيع الكثير من الوقت لإرضاع طفلها، وإذا كان صدرها يعاني المجاعة ولا يدر الحليب، كانت تبحث عن مرضعة وتسلمه لها وتستلمه منها. وهذا كله وقت وجهد. 

يتأفف الأب من طول لسان طفله فيقول له: يا روح أبيك، طلباتك التي بدأت منذ اليوم والتي لن تنتهي حتى تصير بغلاً عالي المقام، هي التي ترغمني على البقاء بعيداً عنك وقريباً من العمل، فأنا أكدح لأجلك. يقاطعه طفله قائلاً: لا فض فوك لكنكم أنتم من أوجدتم تلك الطلبات، وفي كل الأحوال، أنا مستعد للتنازل عن بعضها على أن تعطيني ما هو حقي. ولولا أن وصاني ربي بالإحسان إليك، لكان لي معك كلام آخر. 

ينظر الأب إلى ساعته، ويخرج من غرفة الولادة للحاق بعمله بينما الأم تبدأ في اتصالات البحث عن خادمة ترعى طفلها لأنها ستخرج من المستشفى لتكمل بناء كيانها أو رد الجميل لوطنها.. والطفل ينظر إلى السقف بحسرة.

Share |
|
|
|
أحمد أميري
26/11/2008 2:35 PM
* أخي الهاشمي: شكراً لإثرائك مدونتي بتعليقاتك المليئة بالأسى والحسرة المبالغ فيهما بعض الشيء. * أخي سلطان الزعابي: كل الشكر لمرورك الجميل وآسف لأنني لا أرد الزيارة بمثلها، فمعظم يومي يذهب في القراءة والكتابة ومع ذلك "مب ملحّق".
سلطان الزعابي
9/11/2008 1:39 PM
سجال غريب في فلك الآباء والأبناء، ولكن هل سيسلك الأبناء مسلك آبائهم حين يُرزقون بالآبان هم الآخرون؟ مقالة تأملية جميلة أستاذي أحمد. تقبل مروري المتواضع. تحيتيـ
أحمد عبدالله الهاشمي
3/11/2008 10:59 AM
ولي تعليقا على مقالك أخي الاميري مع تحفظي بعدم سؤالك عن أخيك ..... الملاك الصغير ومثل كل الاطفال البراءه والنقاء والصفاء والصدق والفضيله والجمال وحب الحياة على وجوههم: وبالامس غرق هذا الملاك في بحر رأس الخيمه بعد أن قررت وزارة التربية أن يكون السبت يوما تعويضيا عن اجازة العيد!!!!! وياله من يوم ! ولقد لاحظ الغالب أن استياء اطفالهم من ذهابهم للمدرسه ناتج عن مثل هذه القرارات فلن يحضر جميع طلاب الفصل مهما حدث . وان كان اطفالنا على خطأ فلا يعني اننا على صواب دائما... وتماما كنا صغارا ..تفتح بوابة المدرسه للخروج وعليها عبارة الخارج مفقود وهذا شائع في موسوعه حوادث طلبة مدارس الوزاره.ويهيم الطالب على وجهه في الشوارع على غير سبيل. فلا بد أن نطوي تاريخ مدارس لم ينجح أحد والذي تطورت صورته وتنوعت تسمياته بحثا عن شكل ماساوي فلا تجد اسما لها.. ان مثل هذه الحوادث هي محطات لسوء تقديرنا في رعاية هذا الجيل والذي للاسف نشارك في اغتياله لقد اسرفنا فعلا في الابتعاد عن همومهم وتركنا الخطر يحوط بهم بالله عليك يا أميري من هو المسؤول اهكذا بتنا نواري فلذات اكبادنا التراب . فأين أنت أيها ...... من مجلس العزاء في ذلك الطالب..... رحمك الله والى جنات الخلد
أحمد أميري
31/10/2008 1:25 PM
أختي أم صقر: أعتقد أنها حالات فردية، وفي محيطي هذه الحالات استثنائية!
أم صقر
29/10/2008 9:16 PM
كلام جميل ! لكني متفائلة بعض الشيء..حيت أرى اهتمام الأمهات الجدد أفضل من الجيل الذي سبقه بقليل الوعي والعناية بالأطفال أصبحت أفضل..والحنان زاد شوي.. مم..والله مادري يمكن حالات فردية ! ولكن معك حق فيما تقول عن طلبات الطفل..فالضرورويات بسيطة جدا لكن الكماليات "البايخة" هي اللي صارت "ثقيلة دم" و ممله جدا
أحمد أميري
26/10/2008 3:24 PM
* الأخ نبيل: شكراً، ولا أصدق أن المرء يترك فلذة كبده، الأحرى أن نقول في هذه الحالة: يترك شعر رأسه أو لحيته، أي أشياء يمكن الاستغناء عنها. * الأخ د. منير: تأكد أن طفل الـ SMS سيعامل والديه بالطريقة نفسها، وسيودعهم بيديه وسط النفايات الإلكترونية حين ينتهي دورهم معه.. والعفو بخصوص الكتاب وأرجو أن تستمتع به، لكنني لست الأخ أخمد، بل الأح أحمد. * أختي زهراء: شكراً وما تقولينه صحيح في أغلب الأحيان. * أخي فيصل: المشكلة ليست مشكلة مرأة عاملة فقط، فالرجال لهم دور فيما يحدث وهم الذين يمدون هذا الكيان بالدعم اللوجيستي والمعنوي أو يزودون الشاحنة بالديزل.. إذا كان لابد من عمل المرأة، فعلى الأقل للأم التي تجاوز أطفالها عمر الثلاث سنوات الأساسية، وإذا كان العمل ضرورياً لها، فعلى الأقل أن تخصص ما تبقى من اليوم لأطفالها..
فيصل أبوكويك
25/10/2008 8:19 PM
يا الله يا استاذ أحمد اميري الصراحة انا لم اقرأ المقالة كاملة لأني توقفت عند هذا التشبيه ( أو ما يسمّونه «كيان المرأة»، وهو يشبه الكيان الإسرائيلي: يدوس في طريقه كل ما ومَن يعترضه حتى لو كانوا أطفالاً، أو لرد الجميل للوطن الذي لم يبخل عليها بشيء، فتركب شاحنة الوطن وتسحق أطفالها. ) جذبني هذا التشبيه بشكل و قرأته مرتين بتمعن و اكتشفت انه تشبيه بالصميم بالصميم ترى الاثنين يسحقون كل شيء نفس المرأة التي عندها اطفال و تعمل فتسحق كل شيء في طرقها كما الكيان الصهيوني الذي يسحق كل شيء بسبيل تضخيم كيانه
زهراء إبراهيم
25/10/2008 11:34 AM
لا أقول سوى " لا فض فوك" على هذا الكلام الذي هو في الصميم، فالأباء والأمهات يقولون إنهم يتعبون لتوفير الحياة الكريمة لأبنائهم، وفي الحقيقة إن أغلبهم يسعى من إجل إبراز ذاته. باركَ الله فيكَ.
منير فياض
25/10/2008 10:02 AM
مسكين طفل اليوم، رجل الغد ؟!! فهو سيكفر باليوم الذي ولد فيه على وجه هذه الدنيا المليئة بالتعقيدات والعولمة.....! وسيأتي يوم تصبح فيه تربية العيال عن طريق الرسائل الالكترونية والـ sms وغيرها من وسائل الاتصال..! وفقك الله يا أخ أخمد على هذا القلم المبدع، والى المزيد. لك تحياتي. ولك جزيل الشكر على الكتاب الجميل الذي وصلني منك منذ يومين.
nabil.alloush
25/10/2008 03:03 AM
و سيبقى "الطفل ينظر إلى السقف بحسرة" شكراً لك فقد دست على موضع الألم , لعلنا ننتبه إلى صرخات فلذات أكبادنا.... . دمت سالماً...
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01