search
إصدارات
ارتباطات
التنظيمات الدينية والشبابيك الخليجية
11/11/2008
دول الخليج دول أبوية ترعى المواطن من صرخة الميلاد إلى شهقة الرحيل، وإذا وُجد أي تقصير في تلك الرعاية، وهو يوجد عموماً، فهو الاستثناء الذي يؤكد القاعدة. والمؤسسة الدينية الخليجية الرسمية، تقوم بواجبها فيما يخطر وما لا يخطر على البال من شؤون الدين والدنيا.
 
لذلك، يفترض في الشعوب الخليجية المتدينة والمحافظة، أن تنتبه جيداً لألاعيب الجماعات السياسية التي ترتدي الملابس الدينية، والتي ابتليت بها أكثر المجتمعات العربية. فحتى لو كان ظهور تلك الجماعات هناك مبرّراً، وكان بقاؤها على قيد الحياة نتيجة نجاحها في تقديم بعض الخدمات للشرائح الفقيرة بعد أن عجزت أو قصّرت الدولة عن القيام بدورها تجاههم، فإن الوضع في الخليج مختلف، وليس هناك تقريباً دور يمكن أن تقوم به تلك الجماعات، لم تؤده الدول الخليجية أو مؤسساتها الدينية الرسمية. 

فإذا كانت ستدعو إلى الله وترعى كتابه وسنة نبيه وتعنى باللغة العربية، فإن هناك دوراً للدعوة ولرعاية المسلمين الجدد، ومراكز لتحفيظ القرآن تملأ المدن الخليجية، وأكثر من مدينة تقيم سنوياً جوائز في حفظه وتلاوته. والمدارس والكليات الدينية تعمل علناً، وهناك جمعيات لحماية اللغة العربية. 

إذا كانت ستلقي محاضرات تحث على التمسك بأهداب الإسلام وتبث الوعي الديني، فإن المساجد تقوم بهذا الدور أسبوعياً عبر خطب الجمعة، والكثير من الفعاليات تستقدم محاضرين وشيوخ دين ليدلوا بدلوهم، وهناك عشرات الإذاعات والقنوات التلفزيونية المخصصة للدين وشؤونه. وإذا كانت ستسعى إلى غرس قيم الإسلام في الناشئة، فإن المناهج المدرسية تقوم بهذا الدور على أكمل وجه، وبشكل مبالغ فيه أيضاً. 

إذا كانت تلك الجماعات ستتصدى للإفتاء وتقديم المشورة أو "المناصحة" كما يحلو لها التسمية، فإن الإفتاء الحكومي يقوم بهذا، وهناك مفتين لا تفوتهم شاردة ولا واردة إلا ويفتون فيها في الليل والنهار، وينصحون ويقدمون المشورة حتى إذا لم يُسألوا، ناهيكم عن الافتاء عبر الحدود والفضائيات ومواقع رجال الدين على الإنترنت، حتى عرفنا خطورة مشاهدة رسوم "البوكيمون"، وحرمة قول "سخرية الأقدار"، وحكم قتل الفأر في الحل والحرم. 

وإذا كانت ستبحث عن حلول لمشكلات المجتمع، فهناك مؤسسات مختلفة تتصدى لتلك المشكلات وتعالجها، فهناك مثلاً صندوق للزواج، وبرامج للزواج الجماعي، بل إن حالات الطلاق لا تقع قانوناً إلا بعد المرور بأقسام التوجيه الأسري في المحاكم. وهناك مؤسسات لرعاية شؤون القصّر والأوقاف، ومؤسسات للزكاة، ورحلات حج وعمرة ترعاها جهات حكومية وشخصيات عامة. 

إذا كانت ستملأ وقت فراغ الشباب بما فهو مفيد ونافع، وتحصّنهم ضد الانحراف، وتصقل مواهبهم، فأندية الكرة كالهمّ على القلب، وليست هناك رياضة إلا ولها ناد أو مركز، كالفروسية والصيد والرماية والغوص والكاراتيه.. إلخ، ومراكز رعاية المواهب متوافرة، ودورات الخط والرسم وغيرهما تقام هنا وهناك. 

إذا كانت ستقدم الدعم للمحتاجين، فإن وزارات الشؤون في الدول الخليجية تتكفل بهؤلاء، وهناك الكثير من جمعيات الخير والإغاثة والهلال الاحمر. ومساعدات الدول الخليجية للمسلمين المنكوبين حول العالم لا تعد ولا تحصى. 

إذا كانت تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية ورفع الظلم عن الناس، فأبواب المحاكم مفتوحة، ولم يُعرف عن القضاء الخليجي أكل حقوق الناس بالباطل، وجمعيات حقوق الإنسان تعمل بحرية، بل وتتدخل منظمات حقوق الإنسان الخارجية و"تتفلسف" في هذه الأمور.

لا يتبقى لتلك الجماعات شيء غير الهمّ السياسي الذي تنفخ عليه بالكير الديني ليكبر ويتورّم في أعين البسطاء. فبعد أن يعجز حمار تلك الجماعات عن الوصول إلى بيت المواطن الخليجي، فإنها تلبس القفازات الدينية وتتسلل إليه ليلاً عبر شباك السياسة. وحتى لا يأتي يوم يعضّ فيه الخليجي أصابع الندم لأنه استقبل المتسللين، أرجوه ثم أرجوه أن يُحكِم إغلاق الشباك ويُحكّم عقله في الأسباب التي يسوقونها ليشرعنوا تسللهم. 

فإذا جاؤوه بفكرة أسلمة المجتمع وأسلمة القوانين، فعليه أن يتذكر أن مجتمعه متدين بالفطرة، ولا أحد يستطيع أن يزايد عليه في التديّن. أما القوانين، فالدساتير الخليجية بين يديه، وموادها واضحة في أن دين الدولة هو الإسلام، وأن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع. وأينما نظر في الدول الخليجية، سيجد المظاهر الإسلامية، ويكفي أن فكرة البنوك الإسلامية التي تغزو دول العالم، ظهرت من عنده.

وإذا أتوه وهم يبكون بسبب بعض مظاهر "الثقافة الغربية" الموجودة كالملاهي والمراقص، فإنها أماكن ضرورية للترويح عن ملايين الأجانب الذين يعملون في الخليج ويساهمون في نموه وتطوره، مع ملاحظة أن هذه "الفعاليات" كانت ضمن ثقافة قصور بعض خلفاء المسلمين على مرّ العصور، مهما حاول أنصاف المؤرخين المتأخرين تنظيف كتب التراث والتاريخ وتزوير ما فيها. 

أما إذا قالوا له إنما نحن ناصحون ونريد تذكير الدول الخليجية بالشورى الإسلامية، فإن البرلمانات الخليجية تقدم المشورة للحكومات، وحتى لو لم تكن لقراراتها صفة الإلزام، فهذا الشكل من البرلمانات بالذات، يتفق تماماً مع نظام الشورى الإسلامي، فالخليفة يستشير لكنه يفعل ما يريد، ولم يحصل أن أزيح خليفة راشدي أو غير راشدي من الخلافة بالشورى، برغم ما واجهه بعضهم من اعتراضات على خلافته. 

وإذا قالوا له إن السياسة الخليجية الخارجية تتحاشى الاقتراب من بعض الأنظمة العربية والإسلامية الثورية، فإن الاقتراب من هذه الأنظمة سيؤدي في نهايته إلى العيش في القرون الوسطى بسراويل جماعة "طالبان"، والجلوس على طاولة واحدة مع كبار ثرثاري العالم ممن لم يضيفوا شيئاً إلى الحضارة الإنسانية. وهذا الطريق سيعني أيضاً، وهو الأهم، شد أحزمة الجوع على بطون الخليجيين لتوفير المال لمقارعة الإمبريالية وقوى الاستكبار العالمي! 

وإذا ضربوا أمامه على وتر توريث الحكم، فإن الأمر أصبح ملكاً عضوضاً منذ عهد معاوية وحتى عبدالمجيد الثاني، ملك يخلف والده أو أخيه بعد موته أو مقتله. أما إذا طالبوا بالديمقراطية، فهي ليست بضاعة إسلامية أصلاً، والمطالبة بها من قبل تلك الجماعات أمر يثير الحيرة والضحك الذي يوقع المرء على قفاه. 

أما إذا رفعوا قميص فلسطين، فما الذي يمكن أن تقدمه الدول الخليجية أكثر مما قدمته للقضية ولأطرافها على مر السنين؟ وماذا بوسع الخليجيين فعله إذا كان أصحاب القضية أنفسهم يتقاتلون فيما بينهم، ويريد كل طرف إلغاء الآخر؟

الدول الخليجية والمؤسسات الدينية الرسمية فيها، سدّت الأبواب في وجوه التنظيمات الدينية المسيّسة، والدور يبقى على الخليجيين أنفسهم، لإحكام غلق شبابيكهم.  

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01