search
إصدارات
ارتباطات
كافيار وبيض و.. شد شعر
30/11/2008

كنت أضحك على نفسي في منتدى فكري دُعيت إليه باعتباري واحداً من الكتّاب الشباب، فعن يميني دكتور وعن شمالي بروفيسور، وأمامي صف من الأكاديميين والمثقفين من أصحاب الزوايا في الصحف العربية والمؤلفات في المكتبات، ممن اعتادوا جوّ المحاضرات واستقبالهم ضيوفاً في البرامج الثقافية الرائعة. 

بقيت طوال الوقت أنظّف أذني وأصغي إليهم لدرجة أنني سمعت الصوت القادم من أمعاء القريبين مني، لكنني أنا الذي لم أفوّت كلمة واحدة، لم أتفوّه بكلمة واحدة. ولولا أنني كنت أبادرهم بالسلام والقفشات المصطنعة وقت الاستراحة، لتساءلوا عن سبب وجود شخص أخرس بينهم. 

أما لماذا أغلقت فمي بإحكام طوال الوقت، فلأن لغتي تختلف عن لغتهم اختلاف لغة الضاد عن لغة "شاخ براخ" الألمانية. صحيح أننا عرب، لكن كلامهم مليء بمفرقعات الحداثة، والأبستمولوجيا، والمنظور القيمي. ويطلقون جملاً معقدة غيباً وبطلاقة، مثل: "علينا العمل على مراجعة البنية العقدية نفسها من حيث مرتكزاتها المؤسسة.."، بينما أنا لا أستطيع كتابة تلك الجملة، ولو أُعطيت ورقة وقلماً وساعة زمن لأضع تعريفاً واضحاً للـ"حداثة" لما استطعت، ولا أعرف من أين تُقرأ "الأبستمولوجيا"، أو تخيّل المصطلح "اللي بعده".

لكن برغم قمم المعرفة التي يقف عليها هؤلاء، ومحاولتي مع الكتّاب الجهلاء الذين لا يعرفون "حداثة المنظور القيمي في أبستمولوجيا العولمة" الوصول إليها من دون جدوى، فقد خرجت من عندهم وأنا أضحك، فنحن، أهل الكتابة الواضحة الغنية بالمفردات التي تحمل صوراً والقريبة من لغة الشارع، نجد من يقرأ لنا، بينما هم يقرؤون لأنفسهم. وكلا الطرفين لا يمثلان سوى طبق البيض على مائدة إنسان هذا العصر، لكنهم بيض سمك الحفش (الكافيار)، ونحن بيض الدجاجة.. ويحلم الجميع بالكافيار لكنه لا يُؤكل إلا في احتفالات نادرة كاحتفال طاووس إيران بعرشه، ولا أحد يحلم ببيض الدجاجة لكنه يُؤكل دائماً.

بالطبع ليس بين يدي استبيان أو دراسة تؤكد صحة مزاعمي، لكن لا ذكر لهؤلاء بين الناس، ولا أحد يستشهد بهم لأنهم لا يعرفونهم، وكتبهم تأتي وتروح مع كل معرض وقليلاً ما تمس، وموضوعاتهم في الإنترنت بلا تعليق، وعني شخصياً، أقرأ سطورهم الأولى ثم أتوقف أمام أول مطبّة اصطلاحية.

أسهل ما تفعله أي جريدة هو الاتصال بالأكاديميين وكبار المثقفين، وبعد يوم واحد ستجد بريدها الإلكتروني مختنقاً بعشرات المقالات المطوّلة، والتي قد تكون صفحاتٍ أو فصولاً من كتبهم القيّمة التي لم يقرأها أحد إلا المدقق اللغوي، مليئة بأعقد المصطلحات وأكثرها حروفاً، وبكلمات ليست كالكلمات، لا يمكن الإمساك بها. وأصعب شيء لا تفكّر الجرائد به هو البحث عن "غاوي" كتابة، يغلي داخله بالقلق، دائم الدهشة والفضول، ولديه ما يقوله بمنطق، وبلغة توقظ الحواس الخمس. 

بالطبع هناك "كافياريون" كبار يستطيعون بسهولة أن يكتبوا الطلاسم المملة، لكنهم يعرفون أن هذه اللغة تعني إعلان القطيعة مع القراء وبالتالي غيابهم عن المائدة اليومية، لدرجة أن المرء يتعجب حين يجدهم يكتبون بلغة خالية من التعقيد والتعالي وبأسلوب أقرب إلى الحكايات. وهناك، وهو المضحك، بعض "البيضيين" يدمّرون أقلامهم بحشر "الأنطولوجيا" و"ديالكتيك العولمة" في جملهم التي لا تبدأ إلا بـ: ومن نافلة القول، ولا مندوحة.

جاءني صديق كاتب وهو يضحك، قال إن صديقاً له وصف ما يكتبه بالتافه، فسأله: وهل تخرج بفائدة أو فكرة جديدة أو رأي مختلف بعد قراءة ما أكتبه؟ قال: نعم لكنَّ لغتك وأسلوبك بسيطان. فسأله: وهل تقرأ لمن تعتبر لغتهم قوية وأسلوبهم عظيم؟ قال: لا، لأنني لا أستوعبهم. فقال له: إذاً أنا الناجح وهم الفاشلون. 

مع ذلك، طلبت منه أن يبحث عن صاحبه ويخبره بأنه لا يقرأ للعظماء لأنه ليس عظيماً، ويقرأ للكتاب غير العظماء لأنه يشبههم ولا يحتاج أن يشد شعر رأسه وهو يقرأ لهم، فلا أبستمولوجيا عندهم ولا هم يتعولمون.


Share |
|
|
|
أحمد أميري
21/1/2009 4:02 PM
بدر شاويش: شكراً على هذا المديييييييييح.
أحمد أميري
21/1/2009 3:53 PM
* شكراً أخي سلطان الزعابي وبقاؤهم فوق أبراجهم لن يضرنا في شيء.
بدر شاويش
8/1/2009 09:22 AM
راااااااااااااااااااااائع 
سلطان الزعابي
15/12/2008 10:16 AM
يقبل إلا لمشكلة أنهم تشبعوا، والمتشبع لا يقبل إلا وأن يغدق "علمه الغزير" على غيره، بصرف النظر عما إذا كان مفهوماً للغير من عدمه! تلك الشريحة تعيش فوق برج عاجي، والمشكلة أنها لا تدرك ذلك!! تحيتيـ لك أخي الكريم
أحمد أميري
10/12/2008 1:06 PM
* أختي عفراء: أعتقد أن هناك خيطاً رفيعاً بين البساطة والركاكة، واللغة فعلاً ليست هي كل شيء، لكنها ربما هي نصف الشيء. * د. منير فياض: والله لم أذهب إليهم من تلقاء نفسي، لكنني عموما استفدت من الجلوس معهم، على الأقل خرجت بهذا المقال. * أختي عهود: صدقت وشكرا. * أختي أسماء المعمري: نعم الأفضل له أن يمزج بين النخبة وعامة الناس، وإن لم يستطع فعليه بعامة الناس لأنهم الأغلبية.
أسماء المعمري
7/12/2008 8:49 PM
والمصيبة ان كانوا من المتشدقين والعياذ بالله ما أجمل الوسطية ويسروا ولا تعسروا وكل صنف من الكتاب وله جمهوره ومعجبوه طالما انهم يعوا مفرداتهم والافضل للكاتب ان يمزج بين النخبة وعامة الشعب دمت بود
عهود
30/11/2008 6:27 PM
نحن بحاجة إلي الفكرة العميقة مغلفه بعبارات بسيطة و في نفس الوقت تحمل وزنا بلاغيا .... شكرا لك ... قد يكون الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله نموذجا لذلك ...
منير فياض
30/11/2008 3:44 PM
دع هؤلاء وأفكارهم يا أخ أحمد، وابقى معنا !!! فنحن نفهم عليك وأنت تفهم علينا... لك خالص تحياتي.
عفراء
30/11/2008 10:48 AM
ولكن أن يأخذ الكثير منا راحته فيبدء بنشر كل البيسط والأبسط من البسيط أيضا فهذه أيضا مشكلة لا تقل سوءً عن تلك الـ أبستمولوجيا " فالكتابة السهلة أيضا تحتاج أن تكون متناقسة ومترابطة وبعيدة عن الركاكة إذا ليس كل من يكتب في اللغة السهلة هو أقل ثقافة من الأخير صاحب المصطلحات الصعبة بل بالعكس قد يكون أكثر ثقافة وأكثر حرفة وإبداعا .. فيصل الى غايته أسرع وأسهل والكتابة الجيدة لا تعتمد فقط على اللغة! دمت مبدعا وبعيدا عن أبستمولوجياأخي أحمد
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01