search
إصدارات
ارتباطات
السر.. من البئر إلى البحر
13/1/2009
يقول: سأبوح لك بسر بشرط ألا تخبر به أحداً. ولأن اعتبار المرء أميناً على الأسرار ميزة عظيمة، فيرد بثقة وبقلب يرقص: تكلّم، فسرّك في بئر. وبعد أيام يجد صاحب السر أنه سرّه أصبح زورقاً يجوب بحار العالم. فما هي آليات خروج السر من البئر الضيق وانتقاله إلى البحر الواسع والكبير؟ يحدث هذا بثلاث وسائل: 

الأولى: عبر نظرية "الصديق الحميم"، فكل بني آدم في هذا العالم، لديه إنسان واحد يعتبره صديقاً حميماً لدرجة تجعله لا يتخيل أن يكتم عنه شيئاً، ويعتقد أن هذا الحميم لا يمكن أن يفتح فمه أمام أي مخلوق سواه حتى لو كان طبيب الأسنان، لأن "الحمامة" بينهما متبادلة ودائرة مغلقة لا يستطيع أحد اختراقها.

لكن الحقيقة أن الصديق الحميم لديه صديق حميم هو الآخر، يظن فيه ما ظنّه الأحمق الأول فيه، وهكذا تتسبب العلاقات الحميمية بين جموع المغفلين إلى تحليق الحمام الزاجل لكل واحد منهم فوق رأس شخص جديد وفي رجله رسالة تحتوي السر. 

الوسيلة الثانية: اختيار أشخاص لإيداع الأسرار في أفواههم، بينما يضعون عصابات على جباههم مكتوباً عليها "لا للأسرار". ويمكن معرفة هؤلاء بسهولة، فبالبداهة من يفشي أسرار الآخرين سيفشي أسرار غيرهم عندهم، وقديماً قال الشاعر:

"فكما تراهُ بسرِّ غيرك صانعاً.. فكذا بسرِّك لا محالةَ يصنعُ".

يفعل ذلك حتى يوازن بينهم، ويكسب من جديد أرصدة سرية من الطرفين، ليبقى دائماً المصرف المركزي للأسرار، يلجأ إليه جميع العملاء الذين لا يدرون أن أرصدتهم تصرف للآخرين بشيكات موقعة على بياض. 

والشخص الثرثار لا يمكن أن يكون كاتماً للأسرار، لأنه سيضطر إلى البوح بأي شيء إذا اقترب من مرحلة نفاد مخزون الكلام، وجفاف الفم من الأحاديث، بل إنه لغوياً لا يصلح لأداء هذا الدور، انظر التناغم الموسيقي بين "ثرثار" و"أسرار". 

والشخص الذي يضحك كثيراً، أو يفرح بالجملة، أو يطرب مع كل كلمة، أو يحزن من دون سبب، أو يغضب بسرعة، أو يشتم بمتعة، لا تأمنه على مثقال ذرة من سر، ولا تحدثه إلا فيما نشرته الصحف ووكالات الأنباء العالمية، لأنه إنسان متهيّج باستمرار، وفي لحظات الهيجان الطربي أو الحَزني أو الغضبي، سيقول كل شيء. وهاهو الشاعر القروي يوجز كل هذا الكلام في قوله: 
أغضِب صديقك تستطلع سريرتهُ.. للسرّ نافذتانِ: السُّكْرُ والغضبُ 
ما صرّح الحوضُ عمّا في قرارتهِ.. من راسب الطين إلا وهوَ مضطربُ 

وحذار من هواة إشعال المشكلات، ومثيري الفتن والقلاقل بين الناس، فلكي يحدث حريق كبير يلتهم أفراد عائلة كاملة، تحتاج إلى مغفل يودع سراً خطيراً في فم شخص لعين، والباقي سيحدث من تلقاء نفسه. 

الوسيلة الثالثة: البوح بالمفرّق والتقطير، فيأتي صاحب السر إلى شخص أمين على الأسرار، ويبوح أمامه ويحلّفه بأغلظ الأيمان بألا يخبر أحداً. ثم يمسك بتلابيب شخص ثانٍ على علاقة مع الشخص الأول، وينافسه في صون اللسان، ويبوح ويُحلّف، بأيمان أكثر غلظة. ويفعل مثل ذلك مع الثالث والرابع والعاشر. 

ثم يحدث أن يجتمع هؤلاء الأمناء بالصدفة، فيضع الأول خيطاً واحداً من السر أمامهم على الطاولة، ظناً منه أن أحداً لن ينتبه للأمر، لأن لا أحد غيره يعلم بالسر، لكنه يتفاجأ بالثاني وهو يضع خيطاً آخر، علماً بأن الثاني تفاجأ أصلاً بخيط الأول، ومع وضع الخيوط بعضها بجنب بعض، يتشكّل علم كبير، يأخذونه هؤلاء إلى أكبر سارية، ليرفرف السر أمام الجميع انتقاماً من صاحبه.  

تذكّر يا بني آدم أن "صدرُكَ أوسعُ لسرِّكَ".

Share |
|
|
|
بنت الدحام
1/2/2009 2:43 PM
"تذكّر يا بني آدم أن “صدرُكَ أوسعُ لسرِّكَ”." صح لسانك اخوي أحمد
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01