search
إصدارات
ارتباطات
فلذة كبد وقرد و"قبقوب"
13/1/2009

 

ليس القرد وحده الذي يصبح غزالاً في عين أمه، فالطفل الذي يستحم في المناسبات يلمع في عين والديه، والعنيد مصنع للحديد والصلب، والقاسي رجل صغير له مستقبل في ساحات الوغى، وطويل اللسان خطيب مفوّه لن يخاف في الله لومة لائم، والبليد لا يزال صغيراً على الانتباه، والذي يوزّع الكلمات الجارحة بالجملة والمفرق فطن لمّاح.

كل سلوك الولد السيئ عسل على قلب والديه، وحتى لو لم يكن كذلك، فهما يتحملانه لأنه طفلهما، أو من يسميانه "فلذة كبدنا"، ولا يبذلان الجهد الكافي لتهذيبه. وهكذا يكبر الطفل ويكبر معه سلوكه إلى أن يتحول إلى بصمة لشخصيته، ثم يصبح تغييرها مستحيلاً مثل بصمات الأصابع، حتى قيل: "لا يمكننا أن نعلّم السلطعون أن يسير مستقيماً". وحين يكبر القبقوب (السلطعون) ويبدأ في نسج علاقات مع أفراد المجتمع، يظنهم مثل والديه سيصفّقون لطبائعه، إلا أنه يُفاجأ بهم وهم يقذفونه بالنعال.

لذلك، "فتّش عن التربية" كلما تعرفت إلى شخص ووجدته لا يُبلع حتى مع مياه خزان البيت، ثم رأيت أن الذهاب إلى المشنقة وأنت تقفز من الفرحة بعد ضربه بـ"الشومة" أو عصا الشرطة على رأسه، أهون من الجلوس معه.

وإذا صادفت شخصاً يعتقد نفسه محور الكون، ويعتبر رفض طلباته في التعاملات اليومية العادية من جرائم القرن الواحد والعشرين، فتأكد أنه في طفولته وقف في وسط "المول" والناس من حوله متجمهرون، وهو يصرخ ويبكي بلا دموع ويضرب رجليه في الأرض، ويرفرف بكتفيه ويديه في الهواء كأنه غراب ويقول بدلع: أريد هذه اللعبة.. أريد هذه اللعبة، بينما والده يتصبب عرقاً لا يدري كيف يسكته.

وإذا تورطت في علاقة مع شخص لحوح لا يتوقف سيل الأسئلة الذكية من فمه، فقد كان فيما مضى يسأل أباه: بابا، لماذا تذهب إلى الدوام كل يوم؟ فيرد: لأنني مسؤول عن هذا البيت يا حبيبي. ولماذا أنت المسؤول؟ لأنني الرجل. ولماذا أنت الرجل؟ لأن الله خلقني كذلك. ولماذا خلقك الله رجلاً؟ لأنها مشيئته عز وجل. ولماذا هي مشيئته يا بابا؟ وهكذا يسأل حتى يجد الأب نفسه زنديقاً لا يؤمن بشيء بعد أن استدرجه ولده في الأسئلة التي لا معنى لها. 

وإذا ما ابتلاك الله بشريك في الدراسة، أو العمل، أو في الحياة، ووجدته يعلك اللبان بصوت يشبه الصوت الصادر من نعال مطاطي يمشي على أرضية مبلّلة، ويقطّع المانجو على السجادة مباشرة، ويحتسي الشوربة ثم يمزمزها، ويرفع لقمة الأرز إلى فمه فتذهب نصف الحبّات إلى الداخل والنصف الآخر في جيب كندورتك العلوي وعلى رأسك، فثق تماماً أنه لا يزال في مرحلة الطفولة، وأنه يشعر بأنك أمه، لكن كن حذراً إذا حنّ فجأة إلى الحليب الطبيعي وقفز في أحضانك. 

وإذا دخلت في علاقة مع شخص يغضب إن لم تنتبه لما يقول، ويريد رأيك في كل ما يعترضه، ودائم الحديث عن نفسه ومشاريعه وعلاقاته، لكنه في المقابل، يتذكر "الموبايل" حين تبدأ في الكلام عن نفسك، ولم يحصل أن سألك مرة: كيف أحوالك؟ فهو من الجماعة "إياهم"، يعتقد نفسه الطفل المدلل الذي من واجبه أن يقول، ومن واجب أمه أن تصغي إليه. 

يدمّر الوالدين مستقبل ولدهما الاجتماعي حين يفرحان بسلوكه الطبيعي في جانبه المسيء، أو يسكتان عنه لأنه قطعة منهما، ولا يدريان أنه سيكبر بهذا السلوك وسيخرج حتماً أمام الآخرين الذين لا يعتبرونه فلذة شيء، وإنما شخص ثقيل ومجرّد "قبقوب" لا يكفي ضربه بالنعال.  

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01