search
إصدارات
ارتباطات
سفينة الأسرة بين الربّان والقرصان
14/1/2009
كي تعبر سفينة الأسرة إلى شاطئ الأمان، على أحد الوالدين أن يتقمّص دور الربّان الطيب والمتساهل والزاهد في عرض الدنيا، بملامح وجه هادئة وضحكات غير مسموعة، ويفضّل أن يكون صوته كصوت "علاء الدين" في مغامرات "السندباد"، أو جد "هايدي".  

وعلى الطرف الآخر، أن يكون قرصاناً قاسياً يبحث دائماً عن الكنز، بملامح وجه حادة وبعين واسعة وجميلة وأخرى مغطاة بقطعة بلاستيكية سوداء، وبرجل سليمة وأخرى من خشب، وعلى كتفه تجلس ببغاء ذكية تنقل إليه أخبار طاقم السفينة، أي الأولاد، مع ضحكات عالية تشبه ضحكات "علي بابا" في "السندباد" أو "سلفر" في مسلسل "جزيرة الكنز". 

الربّان هو الذي يسيّر السفينة ويحدد وجهتها والبر المناسب، ويتخذ القرارات المصيرية الكبرى، لكنه يترك صغائر الأمور وتفاصيلها. أما القرصان، فدوره ينحصر في مراقبة تنفيذ التوجهات العليا وملاحقة طاقم السفينة في التفاصيل، حيث يقبع الشيطان، إضافة إلى الاعتراض اللساني على قرارات الربّان، لكن من دون إصدار قرارات مضادة. 

زهد الربّان يخفف من شره القرصان للذهب والأموال، وشره القرصان يجعل الربّان أكثر حماساً لتوفير حاجيات السفينة، وهكذا تسير السفينة بالكفاف، فلا هي فقيرة يعاني طاقهما، ولا هي مهمومة بالثراء والكنوز التي تلهيها عن التواصل الأسري السليم. 

وإقحام الربّان أنفه في كل شيء، يجعله قرصاناً مزيفاً، فلا هو ربّان ولا هو قرصان، وبالتالي تضيع بوصلة السفينة. وتدخّل القرصان في القرارات المصيرية، قد يؤدي بالسفينة إلى الضياع والوصول إلى جزيرة آكلي اللحوم البشرية، لأنه يحب المغامرات، أو خوض حرب بحرية مع سفينة أخرى لأنه يعشق البطولات.

بوجود هاتين الشخصيتين المتناقضتين في السفينة الواحدة، لن يخطر ببال الطاقم الانقلاب على الربّان بسبب احترامهم له، ولن يتجرأوا التمرّد على القرصان بسبب الخوف منه، ولن يفكروا في القفز من السفينة ومغادرتها للأبد، لأنهم كلما بكوا ألماً من قسوة القرصان، اختلطت دموعهم بالبكاء ذهولاً من رحمة الربّان. 

ووجود الربّان والقرصان يحمي السفينة من التجاوز على السفن الأخرى ويحميها من الاعتداء عليها، فالربّان يقف بغليونه تحت راية السلام البيضاء، والقرصان يقف متأهباً خلف فوهة المدفع حاملاً القنابل.

بالطبع، فإن الربّان سيكون محبوباً لدى الطاقم، بعكس القرصان المكروه، لكن هذا الوضع لن يبقى طويلاً، فإذا كان الطاقم في الصغر يرى عظمة الربّان حين يقارنه بالقرصان، فإن هذا الطاقم نفسه، حين يكبر ويعرف مخاطر البحار وأهوالها، وأن القرصان كان مضطراً لفعل ذلك حماية للسفينة، سيقدّر دوره وسيحبه بأثر رجعي، وربما أكثر من حبه للربّان. 

أما سفينة الأسرة التي يؤدي فيها الوالدين معاً دور الربّان، فعدا عن تضارب القرارات وانقسام السفينة بسببها، فإن التمرّد، وهو طبيعة بشرية، حاصل لا محالة، نتيجة الطيبة المضاعفة والتساهل المفرط الذي يصبح مع التراكم دلعاً لا ينفع معه لا سيف القرصان ولا مسدس "موشيه ديّان". 

وإذا أديا معاً دور القرصان، فإن المبالغة في القسوة والملاحقة، تخلق كرهاً تكون نتيجته القفز من السفينة وتركها بقرصانين يتعاركان بالسيوف كل يوم منذ الصباح وحتى الغروب. وإذا أدى أحد الوالدين دور الربّان، وبقي الآخر من دون عمل، فإن الانقلاب وارد، وإذا لم يكن على ظهر السفينة سوى قرصان، فإن القفز منها والهروب متوقع أيضاً. وفي الأسر التي فقدت أحد الوالدين أو كلاهما، يجب أن يبادر أحد الأخوة أو الأخوات إلى أداء ذلك الدور. 

ويفضّل أن يكون الأب هو الربّان بينما الأم هي القرصان، لأن الأب سيضبط عقلانيته التي لا تصلح لتربية الأولاد، بطيبته وتساهله كونه ربّاناً، ولأنه رجل مفتول العضلات، فإنه لا يصلح لدور القرصان الذي يستعمل يديه في التأديب، فقد يزهق أرواح الطاقم، والأم، تتحكم بعاطفتها التي تفسد الأولاد، بقسوتها وتشددها التي تليق بها كونها قرصان، ولأنها كائن ضعيف البنية، فلن تؤدي عقوباتها اليدوية إلى عاهات أو إراقة دماء.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01