search
إصدارات
ارتباطات
عرفت أمي ليلة زواجي
14/1/2009
لم أعرف أمي إلا في ليلتي الأولى في شقة الزوجية، فبدلاً من أن أسحب وزيرة الداخلية إلى "البلكونة" وأصرخ بأعلى صوتي كما في الأفلام: "بحبها يا ناس"، اتصلت بأمي لأخفف وقع مغادرتي بيت الأسرة، وبكينا معاً حتى تبلل أثير المكالمة بالدموع. 

كانت علاقتي بأمي مضطربة، خصوصاً في فترة المراهقة، لأنها كانت تقف بأسنانها في طريق الأخطاء الذي كنت أسير عليه بسرعة جنونية، فما من خطأ إلا ويتبعه عضّة مع النفاذ المعجّل إلى اللحم. وحين قوي لحمي وضعفت أسنانها، كانت أشعة عينيها العسليتين الغاضبتين تخترق قلبي، فيتزلزل وينكمش كأنه قلب عصفور. 

حبي الكبير لأبي لم يكن لمواصفات ذاتية فقط، وإنما لأنه كان مربياً من بعيد، يضع الخطوط العامة للتربية ويمضي إلى دكانه ليوفّر لقمة، أو وليمة، العيش لعشرات البطون، وبالتالي لا يحدث التصادم بيننا، فيظلّ الحبيب كثير الغياب قليل العتاب. 

بينما كنت أعيش مع أمي في حالة ذهول وصدمة، وكنت أقول إنهم عثروا عليّ في كرتون شيبس أمام باب المسجد وألحقوني بعيالهم، لأنها كانت تربي من قريب، تضع تفاصيل التربية أمامنا وتراقب الالتزام بها بعين لا تغمض وأسنان فولاذية، وكشأن أي مراهق أحمق وشاب أرعن، كان يحدث التصادم بيننا.  

فمثلاً وضع أبي مع اقتراب أولاده من سن المراهقة مبدأ عاماً غير قابل للمناقشة، وهو أنه قد يتسامح في أي شيء إلا في الانحراف الأخلاقي والسرقة. ونقلت أمي هذا المبدأ لنا، ووضعت آليات عدم حدوث ما يخشاه أبي، فأخذتُ أطارد ذبابة إبليس كلما طنّت في أذني بـ"بيف باف" ذلك المبدأ الصارم. هو يقدّس العلم والتعلّم لكنه لا يتدخل في الباقي، وهي تستقبلنا بالتوبيخ و"التعضيض" إذا قصّرنا، وكانت الدائرة الحمراء في الشهادة تعني نهاية العالم.  

ولأن عددنا كان كبيراً، وحجم الخروقات كبيرة، كانت توزّع بعض أدوارها على أخوتي الكبار، وكانوا في نظري نسخة من أمي، يريدونني أن أقفز على مراهقتي وأدخل في الشيخوخة المبكرة، وأن أذلّ عزّ شبابي وأصبح ولياً من أولياء الله الصالحين.  

ولم أكن أصدّق إحدى شقيقاتي التي كنت أصارحها بمشاعري نحو أمي، فقد كانت تؤكد أنها تبكي كلما حدثت مشكلة بيننا، وأن سياسة أمنا هي: عين غاضبة، وقلب محب. وأنا أقول لها: كلام إنشائي فارغ، وأقارن بين أمي وأمهات أقارب لنا، أو أصدقاء، يستقبلن أولادهن بالأحضان، وبين اللقمة والأخرى يقلن: كُل يا حبيبي ويا نور عيني.

ومع اقترابي من سن الزواج، كدت أن أبدد رصيد التعقّل الذي دخل في حسابي لدى أمي التي مضى عليها فترة طويلة لم تقتحم حياتي لأنها كانت طبيعية وهادئة، فقد تعلّق قلبي بفتاة تختلف عنا في كل شيء، لكنني وضعت قلبي بين يدي شقيقتي لتعرف كم هو مضطرب بحبها لدرجة أنه كاد أن ينزلق إلى الأرض، ووجدتُ عندها قبولاً مبدئياً، لكنها ذكّرتني بمن نسيتها ولم تخطر ببالي وأنا أحب وأهوى. 

سألتني سؤالاً واحداً: هل تعرف كيف ستكون ردة فعل أمك؟ وعرفت وأخذت أتراجع وأضع لنفسي عراقيل في الطريق إلى تلك الفتاة التي كانت تنافسني في وضع العراقيل بقسوتها وعصبيتها وعنادها الذي كان يشق الصخر. وبعد سنوات قليلة تزوجت زواجاً تقليدياً بمن رشّحتها أمي واخترتها بنفسي. 

وماذا كانت نتيجة سياسة أمي؟ نجاح أبناؤها الأحد عشر في حياتهم الاجتماعية والعملية، بالطبع لم يصبح أحد منا بيل غيتس زمانه، ولا أنديرا غاندي الهند، ولكن تعتبر حياتنا ناجحة عموماً مقارنة بحياة من كانوا يُستقبلون بالأحضان، ويُودّعون بالقُبل والدعوات العلنية. 
  

Share |
|
|
|
أحمد أميري
4/2/2009 1:29 PM
شكرا أختي بنت الدحام وحفظ الله جميع أمهات العالم..
بنت الدحام
29/1/2009 1:43 PM
الله يحفظ لك الوالدة و أم العيال... مقال رائع كالعادة
أحمد أميري
14/1/2009 3:26 PM
شكراً أختي لطيفة وأرجو أن تكوني قد خرجت بشيء مفيد من هذا الموضوع عند التعامل مع أولادك وأحفادك في المستقبل القريب إن شاء الله.
لطيفة الحاج
14/1/2009 07:33 AM
بارك الله في عمرها وقر عينيها "الغاضبتين" بأولادها وأحفادها =)
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01