search
إصدارات
ارتباطات
الهمبرجر الذي أصبح جملاً
14/1/2009
لا مكان للهدوء في موسم صاخب للشائعات بسبب أزمة مالية تمسّ العالم كله، ومثل هذا المقال لن يُزحزح «الحقائق» من الرؤوس حتى لمسافة خطوة نملة رضيعة.. لكن لِمَ لا تجرّب حظك، أرسل شائعة بحجم قطرة من «موبايلك» الغارق بالشائعات، التي تبخر بعضها لأنها خرجت «فاشوشاً»، وستجد القطرة وقد أصبحت نهراً جارياً. 

الشائعة هي الكذبة التي شاعت بين الناس، ولا يمكن تتبع مصدرها الأول، لأنها جهد تراكمي: يضع أحدهم كذبة في آذان الآخرين، فتجري في خط الإنتاج، ثم تنساب من أفواههم كذبة أكبر فائقة الجودة. 

يمكن تصنيف أصحاب الكذبة الأولى بأنهم:

  1- المؤلف: يختلق المعلومات والوقائع طيلة العام، بأزمة أو من دونها، لأن الصدق لا يخرج من فمه إلا بمقدار ما يخرج من الليمون الأخضر أثناء العصر.

  2- المتلاعب: يقع على معلومة أو واقعة حقيقية، فيضيف إليها من جيبه لغرض في نفسه، ويحذف منها بقرار جمهوري، ويطلق نصفها ويؤخر الباقي إلى أجل غير مسمى.

  3- الاستغلالي: يستفيد من الموسم للترويج لعلاقاته بكبار المسؤولين الذين رآهم على السرير أثناء الشخير،  وكلما كان الحضور على علم بكثرة أحلامه، خفّض من أهمية المسؤول الذي أخبره، أو جعل الأمر «عنعنة»، فعن فلان عن فلان أنه قال، أو «فلانين قالوا». وفي الحديث: «بئس مطية الرجل: زعموا».

  4- الحاسد: يطلق الكذبة حسداً لأبطال الواقعة الوهمية، نكاية بهم وبقصد إيذائهم والانتقام منهم لأسباب لا يعرفها إلا هو.

  5- رجل الإثارة: يخلط بين أفلام «الأكشن» والحياة الواقعية الرتيبة والمملة التي يمكن تحريكها ببعض الإشاعات.

  6- أستاذ الربط: يسمع شيئاً، ثم يقرأ عن شيء آخر، و«يشتغل» عقله الذي كان معطلاً فترة ليست بالقصيرة، ويربط بين هذا وذاك، ويخرج بقصة مفككة تحتاج إلى ألف «برغي» لتصبح محبوكة.

  7- أبو العرّيف: الذي يعرف كل شيء، وجُهينة التي عندها الخبر اليقين، فللمحافظة على هذا المنصب الفخري، لا مشكلة في إرسال الشائعات إلى آذان جلسائه.

  8- رجل الجو: لا يعجبه التخلف عن قطار الأحداث، فيخوض مع الخائضين ويعلن عن نفسه: أنا هنا وهذه قطرتي، والباقي عليكم.

  9-رجل الزبدة: يختصر الوقائع والمعلومات ويؤمن بما قلّ ودل، ولا يدري أن التفاصيل تكون مهمة أحياناً، ومن دونها يمكن أن يحدث سوء فهم يكون هو الشائعة نفسها.

  10- المهوِّل: يعمل من الهمبرجر جملاً، ومن الغترة شراعاً، ومن دون قصد في الغالب، لأنه «مهوِّلجي» بطبيعته. ويكون التهويل نواة لكذبة البداية.

  11- الماورائي: عبقري التفسير والتحليل الذي يضع المعلومة أو الواقعة الحقيقية على طاولة التشريح، ويستخرج منها تفسير ما حصل وسببه، ويكون عدم الدقة هنا وليس في الجثة نفسها. 

وتجد هذه القطرات من يضيف إليها لتكون في النهاية سيلاً يُغرق الوادي. ويمكن حصر هؤلاء في:

  1- السمّاع: كما في الوصف القرآني، وهو الذي يُحدّث بكل ما سمع، لأن ليس من شيمه كتم «العلم»، أو السكوت عن «الحق» لأنه ليس شيطاناً أخرس.

  2- الدخاني: المؤمن بالمثل: «لا دخان من دون نار»، فما دام ظهر اسم أحمد، فلا بد أنه فعل شيئاً، لأنه لم يظهر اسم محمد مثلاً. فإذا ظهر اسم محمد في واقعة أخرى، قال إن الدخان لم يقترب من عبدالسميع مثلاً.

  3- الحلج: وهو الذي لا يغلق فمه أو «حلجه» إلا أمام طبيب الأسنان، ففمه مفتوح طيلة الوقت تعجباً وانبهاراً بما يسمع من أعاجيب الوقائع وغرائب أفعال الشخصيات المهمة.

  4- المنقذ: يحاول إنقاذ أهله وعشيرته الأقربين، فيهمس في آذانهم بأن المصادر الموثوقة تقول إن الأمر كذا، ولا بد من فعل كذا.

  5- البابا نويلي: مثل أطفال الغرب الذين يصدقون أن سانتا كلوز يدخل بيوتهم من المداخن والنوافذ قادماً من القطب الشمالي على مزلجة سحرية تجرها الغزلان، فهو يصدق أن بقرة هبطت من السماء بسيارة مرسيدس خضراء وبيضاء، ووقفت في وسط شارع الشيخ زايد تنظّم حركة المرور. ولا يكتفي بالتصديق المجرّد، بل المركّب، فيؤكد الواقعة قائلاً: وقد ألقي القبض عليها بتهمة انتحال صفة رجال الأمن.

  6- اللا مصلحي: يصدّق الشائعة لأن الراوي ليس له مصلحة في اختلاق القصص. لكنه لا يدري أن بعض الأفعال والتصرفات لا يرتبط حدوثها بالمصلحة، لأن صاحبها أصلاً شخص قليل الذكاء، أو كثير الهواجس. وهناك أيضاً المصلحة الخفية أو غير المباشرة التي لا يمكن الإمساك بها في العادة.

  7- صاحب القضية: يعتبر الشائعة قضيته المركزية، والتشكيك بها إهانة لإدراكه وعلاقاته، فيدافع عنها بلسانه وأسنانه ويعض من يشك بها.

  8- أسير «قلنا لك»: لا يمتلك الشجاعة لتكذيب الشائعة أو التحقق منها، بسبب الخوف من أنها حقيقية حتى لو بنسبة نصف بالمئة، لأنه لا يتحمل نظرات الشماتة وقول القائل: قلنا لك. 

وهناك عوامل تساعد على انتشار الشائعات، فكلما كانت وقائع المشكلة أو الأزمة تمس أعداداً أكبر من الناس، كانت الشائعات أقوى، بسبب الخوف من المجهول والقلق على الأوضاع، خصوصاً أن العقل عندها يأخذ إجازة ويترك صاحبه يواجه الشائعات بقلبه. وكذلك الغموض الذي يحيط بالوقائع التي يحوم حولها ذباب الشائعات، وقلة المعلومات الرسمية أو وفرتها لكن بوجود شائعات أقوى من التطمينات. 

بدأت الشائعات حول أشخاص، ثم شركات، ثم مدن بأكملها قيل عنها إنها بيعت، حتى العطور لم تسلم من الشائعات، وإن بقينا نسمع ونحوّل، فإننا سنصبح على ما فعلنا نادمين حين نغرق جميعاً في المحيط غير الهادئ للشائعات.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01