search
إصدارات
ارتباطات
عقول في غيبوبة كبرى
14/1/2009

يحكي الفيلسوف الصوفي الكبير صدر الدين المتألهين الملقّب بـ"مُلا صدرا"، أنه دخل مسجداً بعد انقضاء الصلاة ورأى رجلاً يمسك بتسبيحة ويعيد ويكرر: اللهم العن مُلا صدرا. فسأله: ومن يكون هذا؟ قال: لا أعرف. فقال: ولم تلعنه إذن؟ قال: أوصاني إمام المسجد بلعنه سبعين مرة دبر كل صلاة لأفوز بالجنة. فقال: وماذا فعل مُلا صدرا لتلعنه؟ قال: لا أدري لكنه يقول بوحدة الوجود. فقال: وماذا يعني وحدة الوجود؟ قال: لا أعرف! 

وإذا لم يكن مُلا صدرا موجوداً بيننا اليوم، ولا ذلك الإمام، ولا الرجل الأحمق الذي يلعنه وهو لا يعرف عنه ولا عن مقالاته شيئاً، فإن آخرين اليوم يُلعنون ويسبون في المحافل، ويُقال فيهم ما قيل في إبليس وأعوانه، خصوصاً في منتديات الإنترنت، لأن فلاناً قال: العنوهم وسبّوهم، وكفّروهم وفسّقوهم وتعوّذوا منهم صباح مساء. 

وإذا كانت حفلات السب واللعن في العقود الماضية تعقد ضد الشيوعيين، على الرغم من أن أكثر اللاعنين لم يفتحوا كتاباً لماركس، فإن حفلات هذه الأيام تقام ضد الليبرالية ودعاتها، وضد العلمانية والمطالبين بها، وكذلك ضد الصوفية وأقطابها. 

واسأل هؤلاء إن كانوا يعرفون الأسس التي تقوم عليها الليبرالية، أو ماهية العلمانية بالضبط، أو ما تدعو إليه الصوفية، الجواب: لا نعرف، اللهم إلا بعض الكلام المشوّش والعموميات والإشاعات والتهم المفبركة والكلام المقطوع من سياقه. وبعضهم يخلط حتى بين الماء والنار، والشمس والقمر، والشيوعية والليبرالية، والعلمانية والإلحاد، والبوذية والهندوسية والسيخية عنده سيّان وكلهم يحيكون المؤامرات ضد الإسلام والمسلمين.  

قالوا لهم صدام حسين حامي البواب الشرقية، فتبرّعوا حتى بحلي زوجاتهم لدعم مجهوده الحربي العبثي وسمّوا أبناءهم باسمه. وبين ليلة وضحاها قالوا لهم لقد تحول الآن إلى هولاكو يغزو بلاد العرب والمسلمين، فأصبح كذلك، وراح بعض "الصداميين" يرجون المحاكم ليغيروا أسماءهم "البغيضة". ثم قالوا لهم مهلاً لا تغيروا الأسماء فقد صار صدام من أولياء الله الصالحين لأنه يحمل المصحف ويجادل محكمة "الاحتلال"، وبعد أن أنزلت به المحكمة العقوبة التي أنزلها على آلاف الناس، قالوا لهم إنه شهيد، فقالوا: ونعم الشهادة.

عقول بعض الناس في إجازة طويلة، عقولٌ مفاتيحها مفقودة في قعر المحيط ولا أمل في استخراجها. وهكذا يفعل بعض البشر مع أي شيء يحصلون عليه مجاناً، كالعقل الذي مُنحوا من دون أن يدفعوا درهماً واحداً، فهم يزهدون فيه ولا يشغّلونه ويبقى معطلاً ويشخر في غيبوبته الكبرى. لأن التشغيل يحتاج إلى جهد وطاقة وقراءة ومطالعة وبحث وعدم استسلام سريع لآراء فلان وعلان والانقياد وراء القطيع مثل الخروف، فلماذا كل هذا التعب وكل ما نحتاج إليه مخزّن على شريحة إلكترونية نضعها في رؤوسنا ونمضي لنلعن مع اللاعنين؟

يُحكى أن أحدهم رفع إلى الوالي أمر جاره الذي تزندق، فسأله الوالي عن مذهب الرجل، فقال: إنه مُرجىء قدري ناصبي رافضي.. يبغض معاوية بن الخطاب الذي قاتل علي بن العاص، فقال له الوالي: ما أدري على أي شيء أحسدك: أعلى علمك بالمقالات، أم على بصرك بالأنساب؟ وأضيف من عندي: أو على راحة عقلك؟

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01