search
إصدارات
ارتباطات
المفتي الرسمي وغير الرسمي
14/1/2009
"الإخوان المسلمين" في مجلس الشعب المصري غاضبون بسبب قانون مقترح يقضي بمعاقبة من يفتي بدون رخصة رسمية، للحد من ظاهرة فتاوى الفضائيات، ويرى ممثل "الإخوان" في البرلمان المصري أن: "الدين الإسلامي به علماء وكل منهم من حقه أن يفتي، وعلى المتلقي أن يقيّم العالِم الذي يدلي بالفتوى، وأن يتقبل فتواه أو يرفضها".  

لا يمكن ترك أمر الفتوى بيد كل من درس بضع سنوات وحفظ مجموعة كتب، فالفتوى تدخل في دماغ المتلقي وتسيطر عليه بالكامل وتؤثر في تفاعله مع الناس والمجتمع، لأن الفرد المسلم العادي يسمع ويطيع لمن يفتيه أكثر من رئيس الجمهورية، فالرئيس إنسان يمشي في الأسواق، بينما المفتي ينوب عن الله ويقرر باسمه تعالى، وترك هذه "الإنابة" سبيلاً لكل من حفظ وتديّن ظاهرياً، يؤدي إلى إطلاق فتاوى غريبة وخطيرة، خصوصاً أن المتلقي لا يستطيع تقييم المفتي بسهولة.   

والقضية ليست فقط فيمن له حق الفتوى، وإنما في الهالة التي تحيط برجل الدين وتحتاج إلى إزالتها لنراه بوضوح ونتساءل: لماذا يصبح أحدهم رجل دين؟ فإذا عرفنا السبب، نستطيع أن نفهم الأمور بشكل أوضح.  

يمكن حصر أسباب اختيار أحدهم التعليم الديني الذي يؤهّله ليصبح رجل دين في ستة: الرغبة الذاتية نتيجة تديّن مبكر وميل إلى الالتزام الديني. الانتقال إلى التعليم الديني بعد الفشل في التعليم العادي، أو الفقر حيث التعليم الديني أقل كلفة. إصرار الوالدين خصوصاً إذا كان الأب منخرطاً في السلك نفسه. التقليد الأعمى بسبب الإعجاب بشخصية رجل الدين. وأخيراً الصدفة المحضة. 

إذا كان يُفترض الورع والتقوى فيمن سلك هذا الطريق نتيجة رغبة ذاتية، وبالتالي فإن ما يصدر منه، حين يكبر، من آراء وفتاوى، تمر عبر قنطرة الورع والتقوى، فلا يصدر منه إلا كل ما هو صواب وحق، وهو مجرد افتراض، لأنه ربما يضعف أمام مغريات الدنيا، فإن هذا الافتراض لا محل له من الإعراب لمن اختار التعليم الديني للأسباب الأخرى، فقد يكون ورعاً وتقياً، وقد لا يكون، وبالتالي فإن التسليم بما يصدر منه لا يخلو من سذاجة.

والكلام هنا لا يعني بدرجة العلم التي بلغها رجل الدين، فالعلم يُكتسب بالاجتهاد والمثابرة، لكن لا أحد يصبح ورعاً وتقياً بالحفظ والتأليف والتعليق على الحواشي. وافتراض أن التبحر في العلم الشرعي، يجعل المرء ورعاً بشكل أتوماتيكي، افتراض غير صحيح، بل ربما يزداد إعجابه بنفسه ويسقط في الوحل كلما زاد علمه.  

من يختار الطب ليخفف آلام البشر وينقذ المرضى، لا يشبه ذلك الذي يختاره لأنه تخصص يبعث على الفخر والسمعة وفيه الكثير من الدولارات. الأول سيعطي المريض كل ما عنده ثم يأخذ أجره، بينما الثاني، حتى لو كان طبيباً ماهراً، فإنه سيرى المريض كتلة من النقود، وربما لن يسمع تأوّهاته. 

الفتاوى الغريبة التي تجتاح عقول الشباب يقف وراءها أشخاص دخلوا هذا المجال بصدور تعاني من أنيميا في الورع والتقوى. وإذا لم يكن مسموحاً الخوض في النيّات وما في الصدور، فإنه لا يعقل التسليم بما يقوله رجل الدين كأنه كلام مُنزّل من السماء السابعة. 

وتزداد الخطورة حين يفتي من لا يحمل هذه الصفة رسمياً، لأن المفتي الرسمي محكوم بوظيفته، بينما الذي ينتحل هذه الصفة لا يحكمه شيء إلا الورع والتقوى اللذان محلهما القلب الذي لا يمكن الاطلاع عليه. لذلك فالأولى منعه من الإدلاء بفتواه أو رأيه في المسائل الدينية عبر وسائل الإعلام. 
 

Share |
|
|
|
بنت الدحام
1/2/2009 1:09 PM
لا تعليـــــق
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01