search
إصدارات
ارتباطات
التعوّد يجعلنا مثل الخرفان
14/1/2009
بعض المهن مظلومة، يوصف شاغلها ببلادة الإحساس وتحجّر القلب، فالطبيب الحكومي لا يرفع عينيه عن الساعة بانتظار وقت الانصراف، وأثناء ذلك "يشخبط" على الوصفة بما يخطر على باله من أدوية، والطبيب الخاص يعبث بالمريض بينما عيناه تشع منهما أيقونة الدولار وهو ينظر إلى جيب ملابس المريض.  

أما الممرضة، فهي تحقن مواضع العلة مثلما تشبك قطع اللحم في سيخ الكباب، وتضغط على أماكن الألم بقوة كأنها تعمل "مساجاً" تايلاندياً. والمحامي أيضاً عضو في هذه العصابة، فهو يستمع باهتمام إلى الموكل المليء كأنه طبيبه النفسي، لكنه يعامل الموكل البائس كما يعامل صديقاً قديماً ثرثار، لا يعرف ما يقول لكنه بين الحين والآخر يجامله بـ"هممممم".   

ولأنني امتهنت أكثر من مهنة، فأعرف أن المهن لا ذنب لها، وإنما التعوّد عليها هو الذي يعطي الانطباع بأن شاغلها يعاني من أنيميا حادة في الإحساس وأن "انترلوكاً" يرقد في شمال صدره وليس قلبه.  

عملت في البداية في النيابة العامة، وكان قلبي يرفرف كالطير المذبوح لأن إنساناً يُقاد أمام الآخرين مقيّداً بالسلاسل، ثم يعترف أمام وكيل النيابة بصوت مبحوح مبتل بالدموع، أو ينكر التهمة بنظرات الغضب المكتوم. وكنت أتحاشى النظر إليه حتى لا يزيد وزنه بالذل والمهانة، وإذا رأيت مجموعة منهم مصفّدين ينتظرون دورهم في الممرات، مشيت أمامهم مطأطئ الرأس خجلاً منهم.  

وذهبت كل تلك الأحاسيس الراقية مع الأيام والتعوّد، فلم أعد أنتبه لصوت قلقلة "الكلبشات" أو أهتم بانفعالات المتهمين، فلستُ الذي وضعهم في هذا الموقف، بل كنت أهوّن الأمر على الموظفين الجدد، وأقول لهم إن وجود المجرمين في أي مجتمع دليل عافية وظاهرة صحية، ولولاهم لما كانت هناك نيابة ولا محاكم، وبالتالي لما وجدنا عملاً.  

ثم انتقلت إلى نيابة المرور، حيث بعض الحوادث المرورية التي تخرج عن مسارها الطبيعي ولا تنتهي بمجرد ورقة مخالفة وإنما بملف قضية. كان منظر المصابين مؤلماً، هذا يدخل علينا بفردة حذاء، فلم يعد بحاجة إلى زوج منها، والآخر كأنه مومياء، فالشاش الأبيض يغطي كل سنتيمتر في جسده، وكان الزملاء يحرصون على متابعة آخر وأحدث صور ضحايا الحوادث المروّعة، وكنت أتعجب منهم وهم يتبادلون الصور ويحوقلون، فلا تنظروا ولا تحوقلوا. ثم مع شاحنة التعوّد التي تجرّ خلفها قاطرة التبلّد، أصبحت أفعل مثلهم وأنظر كأنني أقلّب ألبوم صور الذكريات.  

وبعد هذا "القرف"، عملت في المحاكم، أحجز على ممتلكات المدينين وأبيعها في مزاد علني لصالح الدائنين، وأخلي مساكن الإيجار من قاطنيها الذين لم يسددوا ما عليهم لمُلاكها، وكالعادة، كانت بدايتي معهم رقيقة كأنني عذراء في سن الزواج، وكنت أعود إلى البيت وتكاد الدموع تفيض من سيارتي، فهم استحقوا قانوناً ما حلّ بهم، لكن للأسف أنا الذي أوقع هذا بهم وبأطفالهم. ومع الأيام، أخذتُ أعود إلى البيت وسيارتي تهتز من شدة صوت الأغاني.  

أما مع الكتابة والصحافة، فكدت أن أتسبب في نفاد أعداد الجريدة التي نشرت مقالي الأول، فقد اشتريت منها أعداداً كثيرة ووزعتها على من يقرأ ومن لا يقرأ، وبالطبع، قرأت المقال قبل إرساله للنشر على كل من يسمع ومن لا يسمع. وبدأت أعداد هؤلاء تتناقص مع كل مقال، واليوم أرسل المقالات ولا أهتم حتى بقراءتها على الورق، فقد أصبح النشر من طبيعة الأشياء.  

المهن لا ذنب لها وإنما التعوّد هو الذي يجعل شاغلها بليداً، كل همه أن يأكل ويرعى من مهنته مثل الأنعام.. وهل رأيتم خروفاً يترك أكل الحشائش ليرى المصيبة التي حلّت بإنسان يمرّ من أمامه؟

Share |
|
|
|
أحمد أميري
4/2/2009 12:48 PM
أخي الهاشمي الذي يستحق جائزة نوبل للتعليقات: مشكلة كبيرة إذا كان كل الموظفين غير راضون عن وظائفهم، والوظيفة لا تكون هي السبب في معظم الحالات، وإنما شاغلها.. هل تصدق أنني حتى الآن عملت في أكثر من ٥ وظائف وكانت كلها ممتعة وأشعرتني بالرضا وكانت كل أيامي فيها جميلة؟
أحمد عبدالله الهاشمي
28/1/2009 09:06 AM
نعم ومع احترامي الكبير لك فلقد رأيت الكلب ينظر لحال صاحبه الانسان فالكلب (اجلك الله) أوفى صديق للانسان من أخيه الانسان!!!! هل هذا كلام؟؟؟؟ نعم هذا هو السؤال الذي نقش في أروقة الدوائر الحكومية والمحليه وشبه الحكومية والرسمية... جميلة جدا بل قل تحف معمارية تلك المباني الحكومية والتي باتت تشبه مباني هافانا في طابعها الاسباني أقصد الاسلامي عزيزي الاميري ان موظفي الدوائر هم فعلا من التراث العريق ويخلد تاريخنا اسمائهم... يكفيك النظر الى وجوههم فتعرف كيف تسايس ويكون لديك اسلوب لتقول للفراش يا عمي ارجوك ساعدني ... نعم معظم الدوائر الحكومية اروقتها مظلمه وحتى ان قارنت حالتها الحالية ..كئيبه وموظفين حزينون والمراجعون أيضا لا أدري هل تنفع دورات التدريب هل تفيد ادارات الجوده او حتى دورات المياه التي لا تدري أين هي ... فما دام هنالك خلافات توجد محاكم ومحاكمات ويوجد متهمون وابرياء بالاضافه للمراجعين لا أحد يعرف بالضبط لما يتأخر المسؤل هذا ولم يتهرب الموظف من العمل فباب الاجتهاد مفتوح في كل دوائرنا واسمح لي أخي الاميري بان أستعير كلامك عن المحاكم وافند فيه عذاباتك من بوابة المحكمة مرورا بدهاليزها وانتهاء أمام محكمة التمييز حيث لا رجوع فيما تم فما زلت في حيرة من أمري هناك ومنذ عدة سنين ... لست أنت وحدك في حيرة من أمرك بل كلنا في حيرة من امورنا وامور غيرنا لقد بات الموظف والمراجع في حالة اشبه بالهدنه ويستعمل معك المفاوضات لانهاء عمله ..ولكن هل يجوز أن تصل ساحة المعارك للمدارس !!! نعم لقد وصلت!! فلا تدري وخوفي ان يعتاد المدرس على اليأس والكآبه وينتهي بموت التعليم. سؤالك هذا هو الذي لم توجد له اجابه مثل أسألة الثانويه العامه في الثمانينات فتأكد بأن لن ينجح احد في جعل الموظف المدرس الفراش المدير الطبيب البقال الخياط وراعي السمبوسه يشعرك برضاه الوظيفي!
أحمد أميري
14/1/2009 3:21 PM
كلنا خراف أختي لطيفة بشكل أو بآخر، لذلك نستطيع أن نعيش في هذه الحياة.
لطيفة الحاج
14/1/2009 12:51 PM
صدقت لا يوجد خروف يفعل ذلك.. مع هذا لم أصبح خروفا بعد، أعني بالمعنى الذي طرحته، لكن ربما كانت خروفيتي تظهر في مناسبات أخرى =) أطيب التحايا..
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01