search
إصدارات
ارتباطات
"التشليح والدردحة" و.. هلاك الزرع والضرع
14/1/2009
تستنفر البلديات مكائنها حين تفتح السماء صنبورها، وفي الوقت نفسه، يقطع سقوط أمطار الخير والرحمة سلسلة العذاب التي يعتقد بعض الناس أنها ستلهب ظهورنا.  

فهم يرون أن حبس القَطر والزلزال والإعصار وهلاك الزرع والضرع، وحتى المشكلات التي يصنعها الإنسان بيديه، كالأزمة المالية العالمية التي تأثرت بها منطقتنا، ليست سوى نتيجة مخالفتنا بعض النواهي الدينية، كالاختلاط ومظاهر "التشليح" على الشواطئ والحفلات الصاخبة و"دردحة" العلب الخضراء، والتي تُجمع بكلمة "فساد".. فما هو الفساد أصلاً؟ 

لم يستخدم النص القرآني كلمة "فساد" بالمعنى المتداول للكلمة هذه الأيام، وإنما بقطع الطريق، والتحريق، والتخريب، والقتل، والبغي. وحتى الآية الكريمة التي تتحدث عن الفساد في البر والبحر، فهي لا تعني ما يتبادر إلى الأذهان، ففساد البر عند المفسّرين هو من عمل ابن آدم الذي قتل أخاه، وفي البحر ذلك الذي كان يأخذ السفن غصباً. 

وكل الأقوام الذين جاء ذكر عذابهم في القرآن الكريم، عُوقبوا بسبب اجتماعهم على الإيذاء والظلم والتكبّر، كفرعون الذي استضعف الناس وادّعى أنه ربهم الأعلى، وقارون الذي تكبّر واستطال على بني إسرائيل لكثرة ماله، وأهل مَديَن الذين كانوا يطففون المكيال ويبخسون الميزان، وثمود الذين عقروا الناقة تكذيباً بعد أن نُهوا عن التجبّر والتكبّر في الأرض، وأهل سدوم الذين كانوا يجتمعون على فعل القبيح مع الرجال الغرباء بعد سلبهم أموالهم.  

والذي يقطع الحبل بين العذاب المنتظر وأفعال بعض البشر التي لا تضر الآخرين بالضرورة، كالليالي الحمراء والكؤوس الصفراء، أن الطبيعة كثيراً ما تغضب من بلدان لا تشتهر بوجود تلك الأماكن فيها، كبنغلاديش وباكستان وأفغانستان وإيران، لكن الطبيعة كثيراً ما تحنو على دول أوروبا وأمريكا وأستراليا. ولا تتوقف سماء بعض البلدان، كماليزيا وإندونيسيا المسلمتين، وتايلاند البوذية، عن إسقاط ما في بطنها من مياه فصولاً كاملة كل سنة، وفي المواعيد والكميات نفسها تقريباً، رغم وجود أشكال وألوان من المخالفات الدينية. 

ومن المعروف أن هذه الأماكن أو الأجواء وُجدت لمئات الآلاف من غير المسلمين الذين يساهمون معنا في تنمية بلداننا، تلك التنمية التي نجني ثمارها في كل متر من أمتارنا. وعدم وجودها لا يعني أن تلك الآلاف المؤلفة من البشر ستسير على الصراط المستقيم، وإنما "ستدبّر" لنفسها أماكن غير قانونية لقضاء أوقاتها، وربما ممارسة أشياء أخطر.  

وبعض الدول القليلة التي تحظر إنشاء تلك الأماكن، كالكويت والسعودية، فإنها تغمض عينيها أمام أماكن الترويح غير القانوني، ولا تتدخل إلا عند تطوّر الأمور وخروجها عن مسارها "الطبيعي" والدخول في عالم الجريمة، وفوق هذا، فإنها تخصص شواطئ للأجانب ممنوع على أهل البلد الوصول إليها، حفاظاً على عذريتهم البصرية!  

وإذا كانت مثل هذه الأماكن غريبة علينا، فإنها لم تكن غريبة عن المجتمعات الإسلامية على مرّ العصور. وبالطبع هناك من سيبدأ في إطلاق الشتائم حين أقول إن الرقص واللهو وما بينهما من كؤوس وخلاعة، كانت من فعاليات قصور بعض حكّام المسلمين وسلاطينهم.    

المدينة الفاضلة ربما موجودة على سطح المريخ، ولكن للأسف ليس على الكرة الأرضية، ولم تكن موجودة أصلاً في يوم من الأيام. وبرغم بعض الضرر الذي يصيب المجتمع بسبب وجود مظاهر العري والحفلات الصاخبة المرفوضة دينياً، إلا أنها ليست السبب في بعض المشكلات أو الظواهر الطبيعية التي نواجهها.  

يقول الفخر الرازي: "عذاب الاستئصال ينزل إذا أساؤوا في المعاملات وسعوا في الإيذاء والظلم..". وهذا ما يجب أن يكون أول همنا ونقف ضد حصوله ونحذر منه ليل نهار، كالإساءة إلى الخدم، وإيذاء الناس وتعطيلهم عن أعمالهم بالرشوة والابتزاز أو اللامبالاة، وإيقاع الظلم بهم برفع الأسعار في وجوههم وسحب اللقمة من أفواه عيالهم، أي الضرر الذي لا يمكن دفعه والمعصية المتعدية التي تصيب الآخرين.

فإذا انتهينا منه، كان الكلام عن إيقاف الضرر الذي يمكن تفاديه والمعصية اللازمة التي لا تتعدى صاحبها، مثل الحفلات والملابس المثيرة، معقولاً.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01