search
إصدارات
ارتباطات
طنجرة تغلي بزيت النكد
13/2/2009

كان يا ما كان قبل أسابيع فقط، مذيع إماراتي خفيف الظل، على الرغم من بقايا شحومه، يقدم برامج مرحة سريعة الإيقاع، يبدد بها غيوم الجد والنكد التي تملأ الجو، بسرعة بديهته ونكاته العفوية ومحاكاته معظم اللهجات العربية من دون تجريح أو إساءة. 
 
لكن المذيع استعار قناع التجهّم ووضعه على وجهه البشوش، وارتدى كندورة التوجيه ووضع على رأسه عقال الإصلاح، وجلس على كرسي الجد، وراح يقدم برنامجاً عميقاً في محطة فضائية هادفة، وصار دمه أثقل من ديزل راكد في شاحنة مهملة في السكراب. 

لا أعرف سبب هذا الانقلاب المفاجئ والمحزن، لكن من المتوقع أن يترك المذيع عالمه الذي كان يحلق فيه برشاقة العصافير، وذلك بسبب الرسائل التي تصله على الهواء مباشرة من التنظيم العالمي لإخوان النكد، وتدعو له بالهداية والتثبيت وعدم العودة إلى البرامج السطحية، وترحّب بانضمامه إلى عالم الهادفين والبنّائين الأحرار الذين لن يرتاحوا حتى يحرروا فلسطين السليبة من النهر إلى البحر، ويُرجعوا الأسهم إلى سابق عهدها مزينة أرقامها باللون الأخضر الصاعد.  

وهكذا يلاحق تنظيم البؤس القلة القليلة من رموز الضحك ومروّجي الابتسامة وصنّاع البهجة من مذيعين وكتّاب ومؤلفين، ممن أنعم الله عليهم بموهبة وفن تحويل بعض الجد إلى هزل، وتفكيك عبوسة الوجوه، حتى لا تنفجر قولونات الناس في بطونهم، يلاحقهم التنظيم ليعودوا إلى رشدهم، ويصبحوا من جماعة: "ما الهمّ الذي تحمله؟"، أي الجماعة التي تنظر إلى الأمور، كل الأمور، كأنها المسؤولة عنها، فلا يضحكون ولا يفرحون ولا يبتسمون، لأن الأمة تغلي في طنجرة ساخنة.  

هذا الهمّ يتمثل في قضايا الأمة وأسباب انحطاطها، وعرضها على مشرحة الدراسة والتحليل، ثم وضع أيديهم على الجرح الخطير، والبحث عن الدواء الناجح، والناجع أحياناً، في صيدليات الكلام الإنشائي والممل، كأن المطلوب أن يصبح المليار مسلم، أو الثلاثمائة مليون عربي، من دعاة الإصلاح والفضيلة، بوزن عبدالرحمن الكواكبي وجمال الدين الأفغاني، أو رجالاً من رجالات الدولة، كأحمد عُرابي وسعد زغلول وأبو نضال. 

وكأنه لا يكفي وجود صفحات وملاحق، وتلفزيونات وإذاعات، تطفح بالجد والنكد، لا شغل لها إلا نشر صور الفقر والحرمان والدمار بالأبيض والأسود وبالألوان، ولن تنتهي المآسي ما دامت السماوات والأرض، ولا يكفي وجود طابور طويل من أصحاب الأقلام التي تقطر تعاسة، والمذيعين الذين تشبه نبرات صوتهم أصوات المستغيثين من عذاب القبر.  

رجاء، حافظوا على القلة التي تستطيع علاج انسداد شرايين القلب المحاصر بهموم الأمة ونكد يوميات الحياة، ليتدفق إليه القليل من دماء الفرح والبهجة.

Share |
|
|
|
أحمد أميري
25/2/2009 1:22 PM
* شكراً أخي الهاشمي وأمدك الله بالمزيد من التعليقات. * شكراً أخي أواب الشيخ ورأيك لا أوافق عليه لكنني أحترمه وأحترم قائله، فالرأي السلبي مثل الماء البارد يوقظ الكاتب ويجعله يعصف أفكاره أكثر قبل أن يتفلسف على الناس.
أواب الشويخ
22/2/2009 1:14 PM
أضم صوتي لصوتك يا خالد الجابري وليعذرني الأستاذ أحمد أميري، لكن المقال كان صدمة لي حين قرأته في جريدة العالم، مما أجبرني على دخول المدونة وتوقيعي أن المقال كان (سقطة) لمدون وكاتب نعتز ونفتخر به
أحمد عبدالله الهاشمي
16/2/2009 1:29 PM
اذا كنت مذيعا فأنت بحاجه الى واحد يكذب عليك‏,‏ وواحد تكذب عليه‏! أين يمكنك أن تجد برنامج ممتع يشغلك عن أي شيء اخر ... او قل يأخذك لمكان لا تشعر فيه بالوقت ... اذكر لي ثلاثة برامج تتحدث بصدق وصفاء ونقاء وواقعيه ..بل برنامج فعلا يستضيف من له علاقة فعلا أخي أحمد أميري نحن يجب علينا أن نستدرك ونستكمل هذا النقص انها فرصه ودعوه صادقه للاذاعات التي غابت عنها ما يطلبه المشاهدون والمستمعون (لا أقصد أي برنامج ولا برامج الاغاني) فالكل يعلم وبمنتهى الصراحه فلقد وجد العديد من الناس راحه ومتعه روحيه ونفسيه وبدنيه في قنوات (الهوت بيرد) البطاقة بو ستة قنوات.فلا حسيب ولا رقيب ولا مشاكل وانما هروب من برامجنا الى ....أستغفر الله برامجنا يغلب عليها دق الطبول والطبيخ ... أعجبتي أخي أحمد أميري ملاحظاتك الفنية فلقد شملت هذا الموضوع الصعب بمثال لا حاجه لاضافة أي تعديل عليه. فلقد بتنا نكره أن نتابعه قنواتنا بل نمر مرور الكرام عليها في ساعه معينه لسماع خبر معين . فالحمد لله العاملون في المجال الاعلامي أغلبهم لا علاقة له بالموضوع وحتى لم يعرف أو يدرس شيء عن الاعلام مجرد دوره بسيطه قول كذا وابتسم هكذا وانظر من هنا ..يعني صنعه مذيع ينكر الذات!!!! نعم لتمضي الساعات ونحن نستمع ونشاهد بملل بل ستجد من يسعده ذلك . ‏بعد اذنك أخي الاميري لدي تعليق على كلام الاخ خالد الجابري: عزيزي أبو الوليد حسب ما قرأت معظم المفكرين كانوا في الشارع ويأكلون من الزباله لا يتسولون ولا يتزوجون وأصدقائهم هم الكلاب الضالة فلا أعتقد حاليا أن من يجمع الكراتين والعلب الفارغه ويسرق أغطيه المجاري نوع من المفكرين أو ربما يتغيروا. فمن لا يجد لحياته معنى فهذه هي نهاية حياته!!!!
أحمد أميري
16/2/2009 11:43 AM
* أخي خالد الجابري: أولا شكرا على المتابعة وثانيا كل ما تقوله صحيح ولا غبار عليه، لكن النقطة التي أتحدث عنها هي الآتي: هناك العشرات من المذيعين الجادين المتجهمين، وهناك العشرات من المذيعين الجادين المبتسمين، وهناك قلة قليلة من المذيعين الساخرين والضاحكين، فلماذا القضاء على هذه الفئة الأخيرة ليصبح حالهم من حال باقي المذيعين؟ هذا هو قصدي من المقال وأرجو أن أكون مقنعاً. * أخي بومحمد: أولا شكرا على كلماتك خصوصا السطر الأخير.. والإعلامي الذي أقصده والذي ذكرت أنت اسمه لكنني قمت بحجبه هنا، كان مميزا في البرامج المرحة، وأصبح حاله من حال الباقين في البرامج الهادفة والتي يقال فيها الكلام الذي كنت أسمعه منذ أن كنت في الحضانة.. الوصف الذي تتحدث عنه، الشحوم، كان لتسليط الضوء على المذيع لكن من دون ذكر اسمه صراحة، والسكراب، وصف لا شيء فيه ما دام المقال ساخر من أوله إلى آخره.. إذا لم تكن تفهم في الأدب الساخر فهذه مشكلتك وحدك.. وشكرا على التواصل والتعليق.
بومحمد
16/2/2009 09:28 AM
هذا المذيع الذي تقصده فالمقال بات أكثر ألقاً حين انتقل لاعلام هادف يمزجه بروحه المرحه وتعليقاته المنتقاة بلطف في برنامجه المزعوم هو يجول بين همومنا فيتحدث عنها بلغة بعيدة عن التكلف والتشدق بل يتحدث بلسان الناس ببساطة أراك هنا طاش سهمك باتجاه بعيد جداً عن كبد الحقيقة فالغمز واللمز بدا واضحاً أنه يرمي الوصول لمرمى الاعلام الهادف ومتابعيه وكأنه يسعى حثيثاً لقمع الابتسامة والضحك وهذا خطأ يستوجب التوضيح منكم اما توصيف المذيع المواطن والذي لم تقدم له صحيفتكم أي شكل من التشجيع أو الدعم او الترويج وهذا من حقه كإعلامي مواطن توصيفه ببقايا الشحوم ودمه بات كالديزل في شاحنة فالسكراب فهذا ما استغربه من كاتب يتحدث عن إعلامي من ابناء جلدته بالرغم من اعترافه ضمنياً بنجاحه الباهر لست هنا للدفاع عن (.....) او غيره بل انا هنا لاقول بأن هذا المقال رائحته تزكم الانوف ومغزاه طنجره ونواياه تغلي وكلماته زيت ودم كاتبه النكد بعينه
خالد الجابري
14/2/2009 11:10 PM
أنا من متابعيك أستاذ أحمد أميري .. و أكون سعيد عندما تنتقد بنقد لاذع و ساخر خاصة في الامور المحلية الاجتماعية. أنا أخالفك الرأي خاصة عندما تتكلم بجدية :) . لنتكلم عن هذا الموضوع كمثال: أرى بأن الأصل في الانسان الجدية و الإصلاح و التغيير .. و ليس المزاح و المرح و اللهو. لذلك عندما يكون الأغلبية يمرحون فهذا شيء يخالف الأصل بل أصبح انحراااف عن الأصل, و لكن عندما يكون الاغلبية يتكلمون بجدية فهذا هو الأصل. و كذا عندما يتحول كوميدي إلى إنسان جاد و يستغل خفة ظله لإضفاء شيء من الفكاهة على إصلاحه فهذا شيء حسن و محمود. و لكن العكس عندما يتحول إنسان جاد إلى كوميدي فهنا المأخذ. مفكر يتحول إلى ممثل ... ماتمشي. كوميدي بدأ يتثقف و تحول إلى مصلح .. هنا ممكن تركب. أنقهر عندما أقرأ كتاب ذكريات أو رواية و لا أرى فكرا إنما سرد قصص لأجل المتعة. و أنزعج عندما أقرأ معلومات محشوة ليس فيها نوع من البساطة و خفة الظل. و لكن الثانية أهون من الأولى. أتمنى أني ما طولت عليك .. و لكن فقط لتوضيح وجهة نظري. مواطن صالح من الإمارات :) .
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01