search
إصدارات
ارتباطات
الحب في زمن التيوس
13/2/2009

 


الحب، وعيد الحب، أصبحا في نظر بعض الناس مصيدة للعذارى، ففي هذا الزمن الأغبر ليس هناك حب، وولّت الأيام الجميلة. وأغلب الظن أن بواكي الحب لم يفتحوا كتاب "المستطرف" للأبشيهي، فهو يروي أنه قيل:

"كان الرجل إذا أحبّ الفتاة يطوف حول دارها حَوْلاً، يفرح إن يرى مَن يراها، فإن ظفر منها بمجلس؛ تشاكيا وتناشدا الأشعار. واليوم هو يشير إليها وتشير إليه، ويعدها وتعده، فإن التقيا لم يتشاكيا حباً ولم يتناشدا شعراً، بل يقوم إليها ويجلس بين شعبتيها كأنه أشهد على نكاحها أبا هريرة".

كان جدي قبل الميلاد يكدّ منذ الصباح في غابات سيرلانكا، ويعود مع غروب الشمس ومعه ما يسد جوع عياله من ثمار الأرض وبهائم الأنعام. وربما كان يتربّص لجاره عند مدخل كهفه، ثم "يدشدش" رأسه بحجر وينفض يديه من الغبار ويستولي على غنيمته.

وكان جدي السادس عشر مزارعاً في القيروان يزرع ويبيع ما يحصد، وبالكاد يوفر اللقمة لأهله. وربما كان يدّخر ماله بالبخل، ثم يصبح بنكاً متحركاً، يجذب المعسر من شعره ويبيعه في سوق النخاسة، أو يجلس عند مسجد عقبة بن نافع ويقول: "لله يا محسنين".

وكان جدي الأول والحقيقي، بقالاً على باب الله في الشندغة على ضفاف خور دبي، ثم في السبخة حيث الوسط التجاري القديم لشطر دبي الشمالي، ينتظر من يشتري منه السمن والسكر، لكنه يستحي من مطالبة مَن اشترى ولم يدفع بسبب العوز والفاقة. وكان يمكنه أن يحتكر، ولا يبيع إلا بالسداد الفوري، أو أن يريح نفسه وينضم إلى قطعان قطّاع الطرق الذين كانوا ينتظرون الغنيمة الباردة في الجو الحار.  

وأنا اليوم، أستطيع أن أكون موظفاً شريفاً، أو أجلس في مكتبي أعقّد الإجراءات ولا أبسّطها إلا إذا فتح أحدهم الدرج ووضع فيه "المقسوم".

وإذا كنت منهمكاً في كتابة مقال وفجأة ظهرت لي واحدة من بنات المواقع المحظورة على الشاشة، فإن جدّ جدي كان يمر يومياً، في طريقه إلى الحقل أو المرعى أو الدكان، ببيت يلوح فوقه علم، كرمز لهوية أصحابه الذين يبيعون اللحم الحي والمُتفاعل، والذي يتأوّه "لزوم الشغل" والضحك على الذكور. وأستطيع معاملة الخادمة بالإحسان كما فعل جدي مع صبيانه في الدكان، أو العكس.

هناك دائماً خير وشر وما بينهما، أي المنطقة الرمادية التي يلعب فيها الأشخاص المذبذبون. هذه نواميس وضعها الله ليميز الصالح من الطالح من "الصطالح" أي الذي هو "نص نص". ولا شيء من صفات الخير أو الشر ارتفعت إلى السماء، فهناك، دائماً، من يستطيع السمو بنفسه ومزاحمة الملائكة في الملكوت، أو الحط من نفسه ومنافسة الشياطين في خرائب الدنيا.

وقد تتلوّن المغريات مثل الحرباء، لكن يبقى الأصل ثابتاً، وهناك دائماً شيطان يعرض بضاعته على النفوس البشرية. ربما، وأقول ربما، يكون الفرق في أعداد من يبيعون أنفسهم بحفنة من الشهوات والأطماع.

وفي قصة الهائم بنساء بني الأصفر ما يؤكد هذه الفكرة، فيروي المفسّرون في سبب نزول قوله تعالى: "ومِنهُم مَنْ يقولُ اِئْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي"، أن رسول الله (ص) قال لجد بن قيس: يا جد.. هل لك في جلاد بني الأصفر‏؟‏ قال جد‏:‏ أتأذن لي يا رسول الله‏؟‏ فإني رجل أحب النساء، وإني أخشى إن أنا رأيتُ نساء بني الأصفر أن أفتتن‏.‏ فقال رسول الله وهو معرضٌ عنه‏:‏ قد أذنتُ لك‏.‏ فنزلت الآية.

فليس شباب هذا العصر هم الوحيدين الذين تورّطوا حين وُلدوا في زمن الإنترنت والمواقع الإباحية والنساء العاريات، وأصبح هذا الأمر شماعة لهم. فحتى قبل 14 قرناً، كان هناك أشخاص، مثل جد بن قيس، يعتقدون أن الخراب كامن في نساء بني الأصفر، وليس في قلوبهم الصدئة، فيجادلون رسول ربّ العالمين في هذه المسألة وفي لحظات حرجة من تاريخ الإسلام، حيث كان المسلمون يتجهّزون لقتال الروم في غزوة تبوك.

عودة إلى الأبشيهي المتوفى سنة 1446 ميلادية، فإنه يروي ذلك الكلام نقلاً عمّن سبقوه، وإذا لم يكن بالإمكان تحديد متى أصبح الحب العذري مثل حب التيوس، فإنه على أقل تقدير، اعتماداً على تاريخ وفاة المؤلف، هو قبل 563 عاماً بالضبط، وليس كما يزعم بعضهم أن الحب زمان أفلام الأبيض والأسود كان راقياً، وأصبح مبتذلاً في عصر الإنترنت.  

الدنيا لم تتغير والشاعر لم يكذب حين قال: "نعيب زماننا والعيب فينا".. ونعلّق فساد طباعنا وضعف أنفسنا على شماعة الزمان.   

 


Share |
|
|
|
أحمد أميري
16/2/2009 5:01 PM
أخي الهاشمي: كالعادة شرّقت وغرّبت وتشعّبت مع المحافظة على وحدة الموضوع.. نصيحتك لصاحبك ذهبية تدل على أن صاحبها "يعرف شو السالفة"، فأفضل وقت للسلام مع النفس هو فعلا قبل صلاة الفجر، أي السحر، بشرط أن يكون نائما ويستيقظ لا مجرد سهران..
أحمد عبدالله الهاشمي
16/2/2009 4:42 PM
عزيزي أحمد أميري والله العظيم لو قلت لي ألف مره عن عيد الحب لرجوتك أن تحتفل أيضا بعيد الكفر بالحب .... لا تستغرب من كوننا مخلوقات هبطت من الفضاء(ادم وحواء اتو من الجنه ) الى الارض فزرعنا فيها الدمار والخراب أتينا لنعمرها فغالبيتنا دمرتها. للاسف العديد من الضحايا والمصائب والبلاوي بل قل كلنا ضحايا ومن بدأ المشكله ومن بدأ القتل..... هابيل هو من بدأ هذا المسلسل بقتله قابيل اول جريمة على الارض واليك أحدث الجرائم كوننا عدوانيون جدا و لدينا الرقم القياسي في سرعة الحكم بدون علم على كل انسان.... فما زال هنالك رسوب وضعف درجات ودور ثاني في مدارسنا من هو الغبي الطالب أبوه جده المدرس الناظر المنهج الدراسي هل هي قلة احتياجات نقص امدادت قلة خبرات ....فقط لاحول ولا قوة الا بالله لدينا أجيال تطلب العلم وتجده على طبق صدأ واليك هذه النكته منتخب كرة القدم تحت قياده مدرب عالمي وجمهور متحمس محب ودعم غير منقطع النظير ومع هذا يفشل المنتخب في تقديم اداء جيد يرقى للمستوى والسبب أن العديد من ابطال الفريق أصبحت الكره لديهم فرصه لحصد الملايين والتكسب وبدأت انانية تسديد الاهداف كيف تريد من الذي تعود عندما يتعطل أي جهاز كهربائي أن يقوم بصفعه وركله لجعله يعمل مع أن الحل بسيط بارساله لمحل الصيانه أن يقوم بعمل أو يفيد مجتمع. المهم فن الهروب من المسؤولية من الخطأ ومن أن يقول لك ابنك او مديرك او صديقك او زوجتك او انسان لا تعرفه أنت خطأ فهذا في نظرنا مواقف تجعلك تقف على مقربة من باب جهنم من أجل أن تجد لفك عبارة (شو السافة) اليك مصيبه هذا الفاشل في الحب طبعا.... أتاني صديق باكيا لاعنا مكفهرا بعد فشله في الحب!!! قمت بنصحه وارشاده لمكان خلوه عند بحر ممزر دبي حيث سيجد السلام مع نفسه ولن يتحقق السلام الا قبل صلاة الفجر. عند الفجر اتصل بي طالبا مني أن اكفله فهو محجوز في الشرطه بعد القبض عليه ليلا فلقد وجد من يسمعه وفي الزنزانه وجد من يقول اسكت‏:‏ فان الحب لا يتكلم‏!..‏ نعم لا يتكلم:والحب قادر علي اسكاتك‏!‏. ‏ كيف نسد الخلل كيف نعرف السبب من هو الذي اثار هذه الثورة هذا الفراغ من اين تشترى السعاده . مجنون من ليس له حبيبه....أجن منه من ليس عنده الا الحبيبه!!!!!! ‏‏
أحمد أميري
16/2/2009 11:49 AM
أخي السيد النمر: إيه العظمة دي كلها، كل اللي بتقوله معاكس بالزبط للي في المآل. كان بعض جدودنا فوالح ويمكن نبقى زيهم، وكان بعض جدودنا موالح ويمكن نبقى زيهم. أخي خالد الجابري: صحيح نحن نختار مع أي الفريقين أو بالأحرى الفرق الثلاث نكون.. توقعاتك بالنسبة للكتاب إن شاء الله ستكون صحيحة مئة بالمئة.
خالد الجابري
14/2/2009 11:14 PM
كلامك سليم .. نعيب زماننا و العيب فينا .. و مالزماننا عيب سوانا. الحب هو نفسه الحب .. و الخير موجود و الشر موجود و إنما نحن الذين نختار مع أي الفريقين نحن .. الله المستعان. استمتعت بكلامك أستاذ أحمد .. و أتوقع أني سأبتاع كتابك "تحيات بو قلم" .. لأني أعتقد أنه سيكون ممتعا أيضا كما هو كاتبه.
السيد النمر
14/2/2009 7:10 PM
للأسف ده زمان أصحابنا الصطالح ونادر ما تلاقى بنى آدم فالح وحتى الحب بقى كله مصالح من بعد جدى وجدك اللى كانوا فوالح وتركونا لا عارفين نميز بين الحب والبطيخ والموالح دمت سالما أستاذى (:
السيد النمر
14/2/2009 7:03 PM
للأسف امتلأ الزمان بالصطالح وقلما تجد بنى آدم فالح وحب ايه ده بقى كله مصالح وجدى وجدك كانوا فوالح بس تركونا تايهين بين الحب والبطيخ والموالح تحياتى لك أستاذى دمت سالما (:
أحمد أميري
14/2/2009 01:11 AM
شكرا أخي الشفّاف، واسمح لي لا أعرف من أين أتيت بهذه الأيقونات الجميلة لأرد عليك بمثلها.
شفّاف
13/2/2009 4:16 PM
مساء الأنوار والأزهار بشفافية البلور وعبق البخور ( أو صبحك) :) + :) = :) :) * دمت بود وراحة بال وسكينة .
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01