search
إصدارات
ارتباطات
جن اليوم كجن البارحة (!)
30/4/2006

استقدم أحدهم "معالجاً بالقرآن" للنظر في أحوال أسرته، فتزاحم الناس عليه ما اضطره إلى تأجيل "علاج" حالات كثيرة بسبب انتهاء فترة تأشيرته متعهداً بالقدوم بتأشيرة "عمل" هذه المرة مبدياً استغرابه من الأعداد الكبيرة للـ"ممسوسين" في الإمارات. 

في السياق نفسه، كتبت إحدى الصحف عن مواطن، يتردد على "المعالجين"، ذبح ابنه وحاول قتل والده بالمطرقة ظناً منه أنه "الأعور الدجّال". ومواطنة، اشتهرت بـ"العلاج بالقرآن"، قتلت وأسرتها، الابن الأصغر قبل أن يصبح "المسيح الدجّال". وآخر الأنباء إلقاء القبض على "معالج" خليجي ذاع صيته أو بالأحرى نُشر غسيله في برنامج "الرابعة والناس". فضلاً عن عثور بلدية عجمان على تمائم مخبأة داخل مقبرة مهجورة.. وهذا نتيجة خلط الأمور.

فالإيمان بوجود الجن شيء، وتصديق قدرتهم على دخول الجسم وتوظيفهم شيء آخر. ولا أحد ينكر أعراض الـ"ممسوسين"، لكن هذا لا يعني التسليم بتفسير "المعالجين"، وما الخلط إلا ليكسب الطرفان: المشعوذون الذين يوهمون الناس أنه بمقدورهم توظيف الجن بنقلهم من جسد إلى آخر، و"المعالجون" الذين يتوهمون أنهم يطردون الجن. هذا يوظّفه والثاني يفصله عن العمل. وهناك حالات يقنع فيها "المعالج" أهل المريض أنه مصروع من الجني لأنه داس ابناً له أو سكب الماء الساخن عليه. وبالبداهة أنه فعل هذا في الهواء الطلق ودون قصد منه. 

في تفسير هذه الحالات، هناك اتجاهان لا يلتقيان إلا في الأعراض: اتجاه العلميين ويضم الأطباء وخاصة النفسيين، ويساعدهم بعض أساتذة الشريعة. واتجاه الجنّيين ويحركه المشعوذون و"المعالجون" ويظاهرهم فيه بعض مشايخ الدين. 

فأنت ترى مصروعاً يتخبط بالأرض، أو شخصاً يفقد السيطرة على ذراعيه، أو ذكراً ينطق بصوت الأنثى، فالجنّيون يقولون "ممسوس". أما العلميون فيفسرونها بأنها أعراض اضطرابات نفسية أو عقلية أو عصبية، بالإضافة إلى إتقان "المعالج" فنّ الإيحاء وقابلية الحالة للإيحاء بسبب عدم النضح الإنفعالي، فضلاً عن قدرة الحالة على الانفصال عن الشخصية من دون وعي هروباً من الواقع.  فيقول الجنّيون، فما بال "الممسوس" يهدأ إذا قرأنا عليه القرآن.
 
يرد العلميون، إن المريض يحتاج إلى السكينة، والقرآن الكريم يبعث الطمأنينة، بل إن نظراءكم من غير المسلمين، يتلون على حالاتهم الترانيم والتراتيل، وأن ما تفعلونه مجرد مهدئ بينما المرض يتفاقم. 

وحين يبهت الجنّيون، يتهمون طب العلميين بأنه غربي مادي. فيرد العلميون بأن ابن سينا حلّل السلوك قبل ألف سنة وتكلّم في الاستجابة الشرطية قبل بافلوف بعشرة قرون، وأن أول مستشفى للأمراض العقلية في العالم كان في العهد الأموي. 

ويضيف العلميّون إن من أسباب تهافت الناس على هؤلاء هو أنهم يوهمون مَنْ عجز عن حلّ مشكلته بأن المشعوذين وراءها، ومن تأخر شفاء مرضه بأنه ممسوس. فحين تبدأ المباراة، يرمي كل خاسرٍ مالياً أو خائبٍ حياتياً أو متورطٍ اجتماعياً أو مهملٍ صحياً كرته في ملعب الجن، فكم هو مريح أن يكون المرء غير مسؤولٍ عن أخطائه؟

ويقولون، إنه حتى في الحالات التي لا يطلب فيها "المعالجون" مالاً، فهذا اطمئنان منهم إلى كرم الناس بعد أن شاع أن مِنْ علامات الدجّال طلب المال، أما المقتدرون منهم، فهم طلاب شهرة وسمعة ومنزلة، وحتى الذين صدقت نواياهم، فلعلّهم "يحسبون أنهم يُحسنون صنعاً".

وبحسب "المعالجين" يدخل الجني في الإنسي بأمر مشعوذٍ بإيعازٍ من عدوٍّ كثيراً ما يكون قريباً له، أو انتقاماً منه لأنه داس ابن الجني وهو يجري، فكسّر أضلاعه ومضى غير آسف، أو حرقه وهو يستحم بالماء الساخن ولم يسعفه بالمراهم. لكنهم ينتقمون من اللكمة ويتركون اللاكم، فالأولى أن يدخلوا في مُصنعي الأحذية الذين نسوا تزويدها بقرون استشعار، وفي مُصنعي السخّانات الذين أغفلوا إضافة خدمة تحذير الجن قبل البدء في التسخين.

 ولا
يكترث الجنّيون بالطب الذي يؤكد أن أعراض "الممسوس" هي الأعراض ذاتها للمريض النفسي والعقلي أو العصبي. فـ"الممسوس" لا يعلم أنه مريض، فهل اكتشف أحد تسرطنه من تلقاء نفسه؟ والمرض يرتبط عادة بأعراض مادية، وهو لا يعاني منها. فضلاً عن الراحة في إلقاء المسؤولية عن الأخطاء على عالم خفي. مع عدم إغفال طبيعة المرض النفسي أو العقلي الذي يغلق باب التفكير السليم في وجه المصاب به. عدا أن بطء العلاج وتأخر الشفاء يشكّكان ذوي المريض في الطبيب. 

ولا يكترث الذي يعتقد بالمسّ لأنه يجد شخصاً طبيعياً، ينقلب بمؤثر معيّن، إلى شخص آخر لا يدري ما يقول وما يفعل. أما "المعالج" حسن النية، فلا يكترث لأنه هو بنفسه يَتوَهَّم، بعكس "المعالج" سيئ النية الذي يدرك اللعبة لكنه يُوهم، مَثلهما مَثل المدمن على الهيرويين والمتاجر به. والأهم من هذا وذاك، صعوبة وخز بالونةٍ نفخ فيها بعض السلف بآراء وعِنديّات وأتى بعدهم خَلف زادوها نفخاً.

ما يعقّد المسألة أكثر، استحالة إثبات أو نفي "التلبّس" طبياً، فالمختبر يقف متفرجاً هنا، وليس من سبيل إلى التأكد سوى بالرجوع إلى الدين. والجنّيّون يستدلون بآية وأحاديث. من الكتاب آية آكل الربا الذي "يتخبطه الشيطانُ من المسِّ". فالمَسُّ عندهم مرادف للتلبّس وهو ما لم يقل به أحد من أصحاب المعاجم.


وأكثر المفسّرين يذهب إلى أن آكل الربا سيقوم من قبره يوم القيامة مصروعاً أو مجنوناً يخنق. وآخرون إلى أن الآية تشبيه لنفسية آكل الربا الذي يعاني من صراع داخلي بين طمعه وبين علمه بحرمة الربا. والمحيّر أن موضوعاً "خطيراً" كهذا، لم تشر إليه 6235 آية قرآنية والآية الوحيدة ليس فيها ما يؤيد دعوى الجنّيين.

 أما من السنة، فحديث الشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم. ويفسّره المشايخ العلميّون بالوسوسة والتزيين. وحديث المرأة والصبي الذي ضعّفوه. وحديث المرأة المصروعة التي شكت حالها إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فخيّرها بين الدعاء لها والصبر ولها الجنة، فاختارت الصبر. ويعلّق الدكتور جمال أبو حسّان أستاذ الشريعة في لقاء تلفزيوني على هذا الحديث الذي لا ينكره لكنه ينفي علاقته بالجن متسائلاً: هل يُعقل أن يترك النبي امرأةً مسلمةً صريعة يتلاعب بها الجن بين الناس دون أن يفعل لها شيئاً لتدخل الجنة؟

ويُعزي سبب انتشار هذه الظاهرة إلى ثقة الناس بكتب ابن تيمية الذي نشر هذه الفكرة بعد أن سيطر عليه الاعتقاد بصحتها من كثرة ما أشيعت بين الناس، فصدقها لا سيما وأنه كان يعيش في عصر طغى فيه التتار على المسلمين وأصاب الناس الإحباط واليأس والقنوط بأن الأمة لن تخرج من هذا المأزق إلا بتحميل الغيبيات مسؤولية الواقع المؤسف. فما أشبه الليلة بالبارحة؟ 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01