search
إصدارات
ارتباطات
قريبي على رأسي بعيد عن جيبي
12/3/2009

 

قاعدة الصداقة والتجارة تقول إن "أفضل صداقة تكون بعد تجارة، وأسوأ تجارة تأتي بعد صداقة"، لكنها قاعدة غير صالحة مع أقارب الدم، فأنت لا تستطيع أن تعمل مع شخص ثم يصبح أخاً لك أو ابن عم.. فكيف تعمل معهما إذاً؟  

هناك قاعدة واحدة فقط هي: "على رأسي بعيد عن جيبي"، فإخوة يوسف ألقوه في البئر على الرغم من أنهم أبناء نبي ومن ذرية أنبياء، وفعلوا ما فعلوا لمجرد محبة أبيهم الكبيرة له، ولم يكن بينهم وبين يوسف الصديق تجارة وأموال.  

نحن نفضّل أن نمسك بيد القريب وندخل معه منطقة التجارة وضواحيها، بهدف تمتين العلاقة وحتى لا تخرج فلوسنا لغيرنا، لكن تجارتنا غالباً ما تترك العلاقة وهي تترنح، لأن الفلوس تغيّر النفوس سواء أكانت أرباحاً أم ديوناً. 

أنت تشعر بالمغص كلما تذكرت مقاول بيتك الذي تصدّعت جدرانه، وتعتبر حقك مهضوماً مع الشركة التي استثمرت فيها أموالك التي لا ترى منها إلا دريهمات. وقد تكون أحكامك خطأ لأنك لا تعرف ألف باء التجارة أو المحاسبة، وربما يكون التقصير منك وأنت غافل، وقد تكون مريضاً بنظرية المؤامرة.  

لكنك في هذه الحالات تتذكر الذي كان السبب ثم تمسح على لحيتك أو ذقنك متوعداً إياه بيوم الحساب. لأن هذا المجرم خرج من حياتك، وإذا كان العمل لا يزال قائماً، فأنت لا تراه كثيراً، وتستطيع بسهولة أن تحاصره بالأسئلة، أو تسلّمه إلى أقرب مركز شرطة، أو تذهب إليه بعد أن تختزل كل غضبك في قبضة يدك، ثم "بووم" على وجهه.   

لكن ماذا ستفعل لو كنت تجتمع بـ"المجرم" وتلتقي بأفراد أسرته، ويمكنك بسهولة أن تعرف تفاصيل حياته؟ فمثلاً إذا قال لك ابن عمك المقاول أن بناء البيت سيتأخر بسبب ظروف شركته، فإن "ظروف" هذه ستفتح عينيك على ساعته، نعاله، موبايله، سيارته، مدارس أولاده الخاصة، وكل شيء ستحصيه عدداً.  

وحين تجدك زوجتك تتقلّب على فراش التفكير، ستلقي عود ثقاب مشتعل على غازات صدرك، فتقوم مثل المجنون تضيء المصابيح وتوقظ أبناءك وتطلب منهم المساعدة في الإحصاء. تمسك بالآلة الحاسبة وتضع الأرقام كلما تذكرت شيئاً، وستذكر زوجتك سفرتهم الأخيرة إلى الباطنة في عُمان، والتي لم تكلّفهم إلا بضع جالونات من البترول، لتصبح حصى الباطنة في عينيك مثل كرات الثلج في "زلامسي" النمساوية. وكل ولد سيتذكر شيئاً في قرينه: "حسّون" يلعب بـ"البانشي"، و"مريومة" عندها باربي وفُلة، و"سيفوه" استبدل مصاصته مؤخراً.  

تضع قيمة تقديرية لأشيائه وتختمها بسعر المصاصة، وتكتشف أن ما صرفه في مرحلة "الظروف" هو الرقم نفسه الذي يحتاجه بيتك ليكون جاهزاً. وأنت لا تدري أن التأخير بسبب مورّد مواد البناء، ولا يهمك أنه متورّط مع ملاك آخرين، وليس من شأنك إن كان لأسرته عليه حق، فأنت وبيتك ومن بعدك الطوفان.  

وتجد أنه يجب عليه أن يعرض عياله في سوق النخاسة، ليشتري بثمنهم بلاطاً لبيتك ومرحاضاً لحمامك. فهل من المعقول أن يمشي عيالك على الإسمنت أو يفعلوها في الحفرة وعيال ابن عمك أحياء يرزقون ويتقافزون مثل خنزب وزلنبور ابني إبليس؟  

وقد تضع لاصقاً ورقياً على فم زوجتك وتقول بعين حمراء: هذا ابن عمي ومن لحمي ودمي، والكباب لا يخرج من السيخ. وبعد التصبّر، يحدث أن يصبّ ابن عمك أو أي شخص من طرفه، الملح على جرحك المفتوح، فتقلع أظافره وأنت تحاسبه على كل شيء. 
 
ولو كنت رجلاً فاضلاً وزوجتك مثلك، فقد تكون زوجة ابن عمك سيدة أرستقراطية كالفنانة رجاء الجداوي، وتقعد تُسمع زوجتك قائمة مشترياتها الأخيرة، خصوصاً "المصّاصة" المتطورة التي لا يحب "النونو" غيرها. وربما يكون نصف كلامها غير حقيقي، ونصفه الآخر مبالغاً فيه. 
 
وقد تصبر بضغط من زوجتك الرائعة، لكنك ستقعد لابن عمك بالمرصاد، فكلامه ونظراته وايماءاته وتصرفاته وزياراته، كلها عرضة للتفسير تحت "لمبة" ذلك العمل المشترك، فإذا تجاهل دعوتك لحفل أقامه، فإنه يتهرّب، وإذا دعاك فإنه يريد أن "يأكل بعقلك حلاوة"، وينتهي الأمر إلى القطيعة لأنه لا يستحق الجلوس معه. 

وفي العادة تكبر القضية من مجرّد إلى مركّب، فتقول للمقربين: القضية ليست قضية مال، وإنما في طريقة تصرفه معي أثناء المشكلة.

وبعد سنوات من تناسي عمله بعد أن نسيته شخصياً، مع أثر هذا القطع على الباقين الذين قد يقطعون تضامناً معك أو معه، فإن المصلحين يتدخلون لإصلاح زجاج العلاقة بينكما، لكن أي ضرر سيصيب البيت، حتى لو كان بسبب تجاهلك أعمال الصيانة، فإنك ستلعن المصلحين وتقعد أنت وأبناءك وأحفادك تسخرون من "قوم بو مصّاصة" إلى أن تقوم الساعة.

Share |
|
|
|
أحمد أميري
2/4/2009 4:08 PM
الهاشمي: لا أعرف كيف تتحقق الراحة النفسية أو المتعة، لكن الذي أعرفه لأنني جربته أن حب الله وحب جميع مخلوقاته، هو طريق الراحة. وبالتوفيق دنيا وآخرة.
أحمد عبدالله الهاشمي
29/3/2009 2:44 PM
أنا وأخوي على ابن عمي وانا وابن عمي على الغريب شو رأيك بهكذا مثل والذي من فحواه يبين لك همجيه الانسان للانسان ليت الصداقه أو الاخوة أو الحب تشترى بالمال لكنت أول زبون على شباك البيع لا أولومك ولا أولم غيرك فنحن دسنا القناعه وأصبحنا منسوخين بشعين متشابهين المهم المظهر لا الجوهر فلوسك أهم من أن تكون انت هو أنت الذي لا يعرفه الا أنت من يستغرب عدم وجود البسمه في وجوه الاطفال يا أخي الاميري ان وجوه اطفالنا مكفهره مسوده ولماذا لان هذا هو الذي يسمعونه من ابائهم وامهاتهم والشارع والبائع والمذيع والكل شيء كل مانري ونسمع‏,‏ وتشعر معهم وقبلهموبعدهم وتلومني على اليأس من أي أمل في النجاة‏ ..‏ فماذاأنت بفاعل؟ بالنسبه لي شخصيا: لا استطيع ان استغني عن رؤية الناس ولا اصدقاء السوء ولا شكل شبابنا وأول وأكبر قريب حتى من يتحدث اللغه الاخرى والدين المخالف ومن يضايقك.... كلهم اصبح لهم مكان في حياتي. أحمد أميري لا ألومك فأنت تحاول ان تخفف متاعبنا النفسيه والعقليه والعديد يحاول ويجتهد وينجح في عكس ما تفعله انت . نعم لم يطلب منك أحد وانما هذا شيء لا رأي لك فيه فأنت مدمن ..للكتابه طبعا أرجوك يا الاميري واسألك بالذي اذا سأل اجاب أن تدلني على الطريق الذي يحقق لي الراحه النفسيه أو المتعة فليس امامي ألا حل واحد هو ان اقفل اذاني واغمض عيوني عما اشاهد وأقرأ . الخلاصه : نحن في أمس الحاجه للحب ولمن نحب
أحمد أميري
25/3/2009 1:44 PM
x أخي عبدالله الحاي، عشنا وشفنا ما تفعله الفلوس في النفوس، خصوصاً بين الأقارب. شكرا لك وكثر الله من أمثالك. x أخي هنتر ٩١، نعم المشكلة في العادة تبدأ بعد رحيل المؤسسين.
HUNTER91
25/3/2009 08:50 AM
ما شاء الله عليك اخوي أحمد مقال جميل صراحة وبالفعل العلاقات التجارية الي تنشأ في البداية بتكون ناجحة بس المشكلة في الأجيال القادمة لأنك ما تضمن الثقة بينهم تكون بنفس النسبة الي كانت بين المؤسسين تحياتي لك من كل قلبي
عبدالله الحاي
17/3/2009 07:59 AM
المدهش دائماً وأبداً أحمد نتحسس من الأقارب ، ويتحسسون منا ، وليت أدوية الحساسية تعالج هذه المشاكل على الغالب يظل المبدأ هذا سارياً المفعول الأقارب عقارب حتى حين يحسنون لنا أو نحسن إليهم وكأنها فكرة طبعت في خلايا الأمخاخ وطبعها غيرنا في أمخاخنا خاصةً فيما يخص المادة فالكل يصبحون أحباء لك حين تمتلك البوكيت money وفي حال رغبت بالاستثمار فإما أنت وأخيك القريب إلى نفسك والا فاختر أحد الأصدقاء فالنجاحات العائلية كانت نتاج تعاون أشقاء وليس خال وابن اخته أو عم وابن اخيه وما أعز من الولد الا ولد الولد ارمسك واقوم اغسل يدي من وسواسي القرائبي المفرط فرط الله عقدك أيها الشيطان .. __ شكراً لانك هنا يا أحمد
أحمد أميري
17/3/2009 01:27 AM
× أختي لطيفة لا تخلين ولد عمج يبني بيتج فقط، أي معاملة فيها فلوس تجنبيها قدر الإمكان. * شكرا أختي هنا والله يعطيك ألف عافية، العافية العربية وليس المغربية. * صحيح أختي رقية أحياناً الشراكات الأسرية تستمر، وفي أغلب الحالات الناجحة يكون النجاح حليف الجيل الأول والثاني، لكن الخلافات تبدأ تشتعل بعد فناء المؤسسين الأوائل. * شكرا أخي محمد بابا، وجربناهم وفقدناهم.
محمد بابا
16/3/2009 07:02 AM
لذلك قالوا : جربوهم بالدرهم والدينار .. لكنني أوافقك أن البعد عن الجيب مدعاة لعلاقة أوطد .. تحياتي ..
رقية عبدالرحمن
16/3/2009 02:37 AM
مشكور أستاذي الفاضل على هذا الموضوع الرائع، ولكن ليس دائما هكذا هو الحال، هناك الكثير منا من لديهم شراكات مع أهلهم وعلاقتهم عسل على عسل، ولا تتدخل العلاقات الشخصية بالعمل هذه هي حال الدنيا ياسيدي، وصدقني الحياة حلوه بتجارة منفردة او مع الاهل المهم لا تخسر اهلك عشان المال؟! والسلام
hana.altayara
12/3/2009 6:43 PM
وقت المال والتجارة بيدخلوا بالعلاقات الأسرية النتيجة كما أسلفت ...الغريب ممكن تناقشو وتحاسبو ، أما القريب من باب الثقة والمعرفة والخجل ، صعب إنك تدقق وحتى وإن لم يعجبك العمل تماما . فعليا صداقات أو قرابات انتهت بالقطيعة من وراء المال . شكرا مقال متميز يعطيك العافية .
لطيفة الحاج
12/3/2009 5:36 PM
يعني اللي نتعلمه من هالموضوع، لا تخلي ولد عمك يبني بيتكم.. أنا أؤمن بالملكية الفردية وبمبدأ بعيد عن الجيب ويا الأصدقاء والأهل بعد عشان ما أخسر حبايبي =) أطيب التحية أستاذ..
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01