search
إصدارات
ارتباطات
موعد مع قابيل و.. قابيل
26/3/2009

 
توقفت المرسيدس السوداء أمام المحكمة، ترجّل سائقها وفتح الباب الخلفي، صعدت ومعي شرطي الحماية، ووجدت الهامور بكندورته البيضاء ينتظرني، قال وهو يومئ للسائق بالتحرك، بأنه بنى وأباه وشقيقه في منطقة مردف الراقية ثلاث فلل كبيرة متلاصقة تربط بينها أبواب داخلية. بعد سنوات مات الأب ولحقته الأم.  

بدأت المصارعة الحرة بينه وبين شقيقه بعد أن أشعلت زوجة شقيقه وعياله نار الحقد في صدره، فأجّر بيته وسكن بعيداً وظل بيت الأب في الوسط خالياً. وكلما تقدم للمحكمة للاستفادة من البيت بتأجيره أو بيعه، تعلّل شقيقه بأن البيت مليء بأثاث فاخر، والخزنة تحتوي على أشياء ثمينة، و.. المفتاح مفقود.  

كانت مهمتي، بصفتي منفّذاً لقرارات المحكمة، هي كسر الخزنة وجرد محتوياتها وكذلك أشياء البيت بالتفصيل بحضورالخصمين، تمهيداً لبيعها بالمزاد العلني، ليتقاسما قيمتها بينهما ويتصرفا في البيت. وكانت هناك مهمة أخرى في رأسي، هي الكتابة عما سأراه، فأنا على موعد مع الأخوين قابيل و.. قابيل.  

دخلنا من الباب الرئيسي ودخل شقيقه الكبير من الباب الجانبي المطل على فناء بيته، ومن خلفه خدامته. ولولا علمي أنهما ثمرة أحشاء واحدة، وكانا في ظهر رجل واحد، لعرّفت بينهما، فقد تقابلا كالغرباء، لا سلام، ولا كلام، ولا نظرات، بل كانا يغيّران اتجاه جذع جسديهما حتى لا يتقابلا، مثل عقربي الساعة عند السادسة تماماً.  

بقينا في الفناء الذي كان يجمع العائلة يوماً ما ننتظر وصول خبير الأقفال، أتحدث قليلاً مع هذا ثم مع ذاك حتى لا أتّهم بالمحاباة، وفي الوقت نفسه كنت أدوّن الأشياء التي أجدها.  

أخذني الشقيق الأصغر، وهو رجل خمسيني على كل حال، إلى المخزن وأشار إلى سقّالة تستخدم في البناء، وقال إن قضبانها ناقصة مستشهداً بسائقه، فتوجهت إلى شقيقه وسألته، فتساءل بغضب عن ثمن أشجار النخيل التي اقتلعها شقيقه من البيت وباعها لحسابه، وأخذت خادمته تهزّ رأسها موافقة. رجعت إلى الأول فقال بأنه سكّت طويلاً على ثمار النخيل التي كان يجنيها شقيقه ولا يرسل له حبة رطب واحدة، لذلك اقتلع الأشجار وباعها. سجّلت كلامهما في المحضر ووقفت بعيداً عنهما أدخّن نافثاً الدخان في وجه الشيطان. 

حضر خبير الأقفال وطلبت منه إنجاز عمله بسرعة، فكل دقيقة في هذا البيت تبيضّ شعرة في رأسي. ثم دخلت الغرفة تلو الأخرى، وهما يرشداني إلى المزيد من الغرف والصالات التي تفوح منها رائحة الذكريات، ويتحدثان بالتناوب بعد أن يتأكد كلاهما أن الآخر أطبق فمه نهائياً، فحتى بين كلامهما كان هناك خصومة، مثلما كان السائق الهندي والخادمة الفلبينية يتبادلان النظرات العدائية.  

انتهينا إلى غرفة نوم الوالدين، وتأخر الخبير بسبب متانة الخزنة، وبقينا نصبّ عرقاً في شهر يونيو وفي بيت مهجور وبلا كهرباء، لكن العرق الذي كان يغطي وجهي، استطاع أن يغطي على دموعي ويخفيها.  

لم يكن التهيج حباً في هذين الأخوين اللذين كانا يقفان للمرة الأولى في اتجاه واحد واضعين يديهما على صدريهما يراقبان كنوز الخزنة، وإنما كنت أفكّر: هل سأكون في يوم ما خصماً لأخوتي نهتك أسرارنا وذكرياتنا أمام الغرباء؟ وهل سيقف أبنائي غداً متورّمين أمام ما يذكّرهم بأبيهم الراحل بينما يجلس على سرير نومي موظف المحكمة هاتفاً بجمهور المزايدين: عشرة، عشرون، خمسون؟  

فُتحت الخزنة التي لم يكن بها سوى بعض الأوراق، وربطات كثيرة من عملات ورقية مختلفة، أغلبها من التومان الإيراني والروبية الهندية، وحُلي أمهما المنتهية الموضة.  

طلبت منهما عدّ النقود، أو بالأحرى الأوراق التي لم تكن تساوي حتى عشرة آلاف درهم، أخذ كلاهما مجموعة ربطات وتربّع على السجادة وأعطى ظهره لظهر شقيقه وانهمكا في العدّ، بينما نحن واقفون على رأسيهما نراقب أخوين يتصارعان في غرفة والديهما على المزبلة التي تركاها لهما.


Share |
|
|
|
أحمد أميري
2/4/2009 3:59 PM
* كما قلت أخي هشام، فمثل هذه القضايا تتحول في العادة من مجرد طمع وجشع إلى تحدي وتكسير رؤوس، لذلك من الأفضل أن يغادر المرء هذه الدنيا دون أن يترك شيئاً يتعارك عليه عياله إلا إذا كان صغاراً، وبما يكفيهم إلى أن يكبروا. * أنا فعلاً مهون عليك يا الهاشمي الحبيب، فساعة جد وساعة هزل، ومرة دموع قابيلية ومرة ضحكات طفولية. وعموما هنيئاً لمن خرج من الدنيا وهو مظلوم على أن يكون ظالما، وحقه ضائع من أن يكون مضيعاً حقوق الآخرين، وهابيلي بريئ على أن يكون قابيلياً لعيناً. * المحاضرات ستذهب إلى الإتلاف يوما ما أخي محمد بابا، لكن الذكريات ستبقى وأتمنى أن أستفيد ويستفيد منها القراء الأعزاء، وشكراً لك.
محمد بابا
1/4/2009 11:12 AM
المتعِب حقّاً هو ذلك المحضر الذي يحوي كلّ تجاذبات (القوابيل) .. تحياتي لك أستاذ أحمد ..
أحمد عبدالله الهاشمي
30/3/2009 3:53 PM
أخي والصديق والحبيب أحمد أميري هلا تهون علينا قليلا ... فكل ما ذكرته يا الاميري حقيقي وهؤلاء مثال بسيط على ما فعله هابيل يوم ما قتل أخاه قابيل فلا كان قابيل ولا هابيل ادرى بما سيفعله اخوانهم من بني ادم ببعض تشبها بأول جريمة وان اختلفت الطرق..... هذه هي بداية البشريه بدأت القتل وستنتهي أيضا القتل . وهكذا فعل سببه جين متطور عبر الزمن ومتشابه جدا عند الذئاب فلا تستغرب أن يقوم بهذا الفعل أقرب ذئب اليك... ‏وليس الذئب يأكل لحم الذئب ......ويأكل بعضنا عيانا ) ( لن تسطيع أنت ولا من كان قبلك ولا ألف انسان يأتي من بعد أن يوقف هذه الفاجعه ماالسبب؟ هل هو الطمع ؟ الكره ؟ الشيطان ؟ الحقد ؟ المرأة ....ام كل هؤلاء وأكثر بل قل هذه هي حقيقتنا !!!!!!!!! فنحن البشر أجرم وأبشع ومن نشر الفساد والدمار والهلاك على كوكب الارض بعد هبوط ادم وحواء من الجنه الى الارض فلا داعي للتعجب فمهما بحثت عن الانسان المثالي لن تجده الا بالقرب من المهملات ولا اقصد هنا درامات الزباله وهذا النوع من البشر لامكانله في مجتمع الذئاب لانه الوليمه المفضله ( ولاجل ذلك).... تجد أن أغلب الرحالة العرب والمسلمين تركوا اوطانهم وبحثوا عن الحقيقة ليعودوا ديارهم ويدونو تاريخ أسفارهم مشددين على أن أغلب البشر ذئاب في جلد بشر.
هشام العماطوري
29/3/2009 09:10 AM
أصادقك القول، فتلك هي إحدى القصص التي سمعتها عن صراع الأشقاء.. على الأقل تربع كل منهما على السجادة ليعدوا ما حصلوا عليه، ولكني كنت قد سمعت عن حادثة مشابهة مع فارق أن الأخوين لم يتربعا على سجادة واحدة، فتحولت القضية من قضية طمع وجشع لورثة الأب إلى قضية "تكسير رؤوس". فلم يحل النزاع بينهما حتى قص مختار الحارة سجادة غرفة نوم المرحوم بالنصف بينهما!! حتى أنهما أصبحا مضرب مثل عندنا: "كسجادة أبناء فلان"! حياك الله وعافاك
أحمد أميري
28/3/2009 01:10 AM
مساء الأنوار أخوي شفّاف.. يمكن ممكن ويمكن مب ممكن. تقدر توصل للوصف من خلال ساعة الحائط، العقرب الصغير على 6 والكبير في الطرف المعاكس على 12
شفّاف
26/3/2009 9:48 PM
مساء عبق أزهار البرتقال وتلألأ قطعة كريستال ( أو صباحك ) ممكن .. يا " أحمد " .. أو " لأ " تعلمت في حياتي ..شيئاً ( مادام الإنسان ..حاط "قناعة معينه في عقله " .. من الصعوبة .. أن تنتزعها .. إلا إذا تحرر منها )) هذه الفقرة : ((بل كانا يغيّران اتجاه جذع جسديهما حتى لا يتقابلا، مثل عقربي الساعة عند السادسة تماماً)) = خليتني أشغل وأتأمل "الساعة في الكمبيوتر " (لعلي أهتدي إلى الوصف تماماً) ( :) ) * دمت بود وراحة بال وسكينة
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01