search
إصدارات
ارتباطات
الدنيا مقلوبة
11/4/2009
يعتقد كاتب عربي لندني أنه سيأتي يوم يقيمون فيه محاكم تفتيش تتأكد من عدم إيمان الناس بالله، وخلو بيوتهم من أي كاتب ديني، وغيرها من أمور ستحدث لأن الأوروبيين كانوا في زمن مضى يحرقون من ينكر وجود الله، لكنهم اليوم يفعلون العكس لدرجة أن ممرضة فُصلت عن عملها لأنها كانت تسأل المرضى والمقْعَدين إن كانوا يرغبون في سماع بعض الصلوات والأدعية، بحجة أن واجب الممرضة هو المداواة بالأدوية لا بالصلاة. وأورد الكاتب أمثلة أخرى لحال الدنيا المقلوبة.  

ويضرب كثير من الناس كفاً بكف على حال أبناء الدنيا الذين ينحدرون نحو الأسفل مع صباح كل يوم جديد. فالدنيا عندهم مثل مخطط بياني، وطبائع الناس وأخلاقهم تأخذ المنحنى المتجه إلى الأسفل يوماً بعد يوم.   

لكن واقع الكثير من المجتمعات، العربية والإسلامية بالذات، يؤكد أن الدنيا أشبه بالميزان، كلما مالت كفة واقتربت من ملامسة الأرض، ثقلت الكفة الأخرى شيئاً فشيئاً إلى أن تخسف بالأولى وتجعلها معلقة في الهواء وتصبح هي الأثقل.  

ويقوم الميزان على عدة مقولات أو قوانين تتحكم في ثقل طرف على آخر، وهي: كل شيء زاد عن حدّه انقلب إلى ضده، والإنسان حريصٌ على ما مُنع، ولكل فعل ردة فعل، والناس على دين ملوكهم. وكلما جاهدت كفة لعدم الاقتراب من خط النهاية أو ملامسة الأرض، وذلك بإعطاء الكفة الأخرى وزناً وهامشاً من الحرية، كلما تأخر سريان تلك القوانين وبالتالي تغيّر الأحوال.   

كانت كفة الميزان في تركيا لصالح الدين ورجاله، وحين زاد التدين عن حدّه، وتدخل أصحاب الطرابيش في تفاصيل حياة الناس وفرضوا الموانع، حرص الناس على التمتع بما مُنعوا منه إلى أن جاء واحد منهم يدعى أتاتورك كرد فعل على الدولة العثمانية، وأصبحت موانع الأمس مسموحة وعلنية بأوامر حكومية وأصبح دين الناس وتصرفاتهم على طريقة قائدهم.    

وقبل سنوات قليلة لامست كفة الميزان التركية الأرض، وبدأت تلك المقولات تكبر في صدور الأتراك بعد أن زادت العلمنة عن حدّها، وتدخل حماة العلمانية في تفاصيل حياة الناس وفرضوا الموانع على الحريات الدينية، حرص الناس على العودة إليها إلى أن أوصلوا للحكم واحداً منهم يدعى أردوغان، كرد فعل على الدولة الأتاتوركية، ومن المرجّح أن تصبح موانع الأمس مسموحة وعلنية بأوامر حكومية ويصبح دين الناس وطرائق حياتهم نسخة من دين وطريقة عيش حكّامهم.  

ومثل هذا حدث في إيران، كان لرجال الدين الكلمة العليا حتى انقلبت الأمور ضدهم بوصول رضا شاه بهلوي إلى الحكم، وفرضه نمطاً غربياً وعلمانياً على الناس، ومواصلة ابنه محمد رضا بهلوي الطريقة نفسها، حتى زادت الأمور عن حدّها، وحنّ الناس إلى ما مُنعوا منه، فكان التفافهم على الخميني ردة فعل، وانتقل الحجاب من رمز للتخلف والرجعية إلى رمز للولاء للنظام.  

لكن بسبب الإمعان في تديين أوجه الحياة والوصول سريعاً إلى أقصى ميل الميزان، سرعان ما انقلبت الأمور ضدهم، وأصبح الناس، خصوصاً مواليد ما بعد الثورة، أكثر حرصاً على ما مُنعوا في ظل حكومة الولي الفقيه، وقد يأتي يوم يتعجب فيه العالم من حال إيران التي انقلبت من الضد إلى الضد، ومن إلزامية الحجاب إلى إلزامية السفور، ومن 400 ألف معمم في الوقت الحالي إلى معمم واحد ولا أحد غيره، هو المرجع الرسمي الذي لا حول له ولا قوة.  

ويمكن ملاحظة أن بعض المجتمعات الخليجية والعربية التي عُرف عنها التدين والمحافظة، بدأت تتخفف دينياً وتتحرر من قيود المحافظة، بينما يحدث العكس مع المجتمعات التي بقيت متحررة دينياً واجتماعياً، لكن لأن كلا الكفتين، المحافظة والتحرر، لم تصل إلى أقصى ثقلها، لذلك فإن أوضاع هذه المجتمعات مرشحة للبقاء كما هي إلى أن تطيح كفة بالأخرى وتقعد تحمل نفسها الأثقال إلى أن تلامس الأرض، فيحدث العكس.. وهكذا إلى ما شاء الله.

Share |
|
|
|
أحمد أميري
22/4/2009 10:02 AM
شكرا أخي محمد بابا، لكن المشكلة أن مفهوم الأمة الوسط يختلف من شخص إلى آخر ومن عالم إلى آخر ومن مذهب إلى آخر، وكل يغني على وسطيته.
محمد بابا
14/4/2009 10:30 AM
وتلك الأيام نداولها بين الناس .. ولتنعدل كفة الميزان لابد من تحقيق وجعلناكم أمة وسطا .. تحياتي أستاذي العزيز ..
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01