search
إصدارات
ارتباطات
أخشى أن يختنق الطفل
2/5/2009

 

وقعتُ ضحية الدعاية المنظّمة التي تقوم بها المؤسسات التي يقبض عاملوها الفلوس كي يهتموا بالثقافة ويعتنوا بالمبدعين، لكن أرجو أن أكون مخطئاً حين أقول إنهم مهمومون بالظهور في الصحف والوقوف أمام أجهزة الصرّاف الآلي آخر الشهر. 

فقد كتبت مقالاً قبل عدة أشهر بعنوان "الموقف شاغر للمثقف الإماراتي"، قلت فيه كلاماً وردياً، كهذا الاستهلال الإنشائي: "في هذه الأيام، لا عذر للمبدع الإماراتي في تقوقعه على فنه ودسّ إبداعه في أدراج مكتبه، والاكتفاء بدور المتفرج الذي لا يهدأ لسانه عن الشكوى لأنه لا يجد مكاناً شاغراً تحت الشمس".  

ففوق التأثر بالدعاية، كانت مسودّة مجموعتي القصصية بيد هيئة ثقافية بأبوظبي تبنّت فعلاً مجموعة أعمال لأقلام إماراتية، وكنت موعوداً بأن أرى قصصي مطبوعة في كتاب وموضوعة على رفوف المكتبات.  لكن المسوّدة نامت في أدراجهم أكثر من نصف سنة، طاردت خلالها الشخص المسؤول دون جدوى، حتى شغّلت عقلي واتصلت به من رقم مجهول، فقال إن اللجنة وجدت أن قصصي لا تناسب مجتمع الإمارات المعروف بتسامحه مع القوميات والديانات المختلفة.  

لم يخطر ببالي حينها أن أرد عليه بأن القلم الذي كتب القصص هو نفسه القلم الذي يواجَه أحياناً باستغراب القرّاء من تسامحه غير المحدود وغير المشروط مع أي كائن بشري كما هو بجنسه ولونه ولغته وعقيدته.   

بعد مفاجأة رفض طباعة قصصي المشينة والتي يندى لها جبين الإنسانية، جرّبت الاتصال بهيئة ثقافية في دبي تضع شروطاً للنشر لا تنطبق على الأغلبية الساحقة من الكتّاب الإماراتيين الشباب، فوجدت البريد الإلكتروني الذي أرسلته لهم أكثر من مرة يذهب إلى سلة الإهمال، والموظفة التي اتصلت بها تعاملني كأنني أطلب طبق بيتزا من مطعم "راوي" للبرياني، على الرغم من أن علّة وجودها في مكتبها هم الكتّاب التعساء والأدباء الأكثر تعاسة، وليس عقد الاجتماعات وافتتاح الفعاليات.  

لم أكن أرغب في الكلام عن تجربتي مع هذه المؤسسات حتى لا أكون الخصم والحكم، خصوصاً أنه يصعُب على القارئ الوقوف على ما حصل فعلاً، لكن الذي هيّج إحباطي هو الزيارة التي سيقوم بها وفد من دائرة ثقافية في الشارقة إلى دول عربية للالتقاء بكتّاب المسرح والاطلاع على مخطوطات نصوصهم وتوقيع عقود طباعتها ونشرها لـ"رفد" مكتبة النصوص المسرحية لتقديمها للمسرح المحلي خصوصاً والعربي عموماً.  الدائرة المذكورة، والحق يقال، نشطة في طباعة ونشر نصوص كتّاب المسرح الإماراتيين الذين يتقدمون إليها بأعمالهم، لكن ماذا عن غيرهم ممن لا تنقصهم الموهبة ولا القدرة لكن تنقصهم الثقة بالنفس أو الثقة بالهيئات الثقافية؟  

يمكن الوصول إلى هؤلاء بكبسة زر، بأن يغسل الموظف المعني وجهه جيداً ويفتح الصحف والمجلات لمدة أسبوع ويتواصل مع عشرات الكتّاب من الإماراتيين والمقيمين عبر "برائدهم" الإلكترونية، ليحصلوا على أعمال تملأ المسرح بالنصوص المعبّرة عن الإمارات. بالطبع كان يمكن اعتبار "الرفد" الذي يقضّ مضاجعهم مقبولاً لو أنهم ابتدؤوا أولاً بحرث الأرض المحلية بحثاً عمن يرفدهم ويكفيهم عناء السفر والتنزّه على حساب الدولة.    

الكثير من الكلام يصدر من تلك المؤسسات، التي تصرف عليها الحكومات بسخاء، عن الطموحات التي لا سقف لها، والقائمون عليها هم من القيادات الجديدة، ويفترض أنهم لم يرثوا شيئاً من كسل الأولين وعُقدهم وبيروقراطيتهم وشلليّتهم ودعاوى نقص الميزانية. بالطبع لم أحظَ بالتعامل مع القوم الغابرين لأنهم ليسوا من جيلي، وما أقوله هو خلاصة ما كنت أقرؤه طوال عقدين عن شكاوى الكتّاب والأدباء والفنانين. 

أتمّت مجموعتي القصصية إلى الآن أسبوعها السادس في بطن وزارة الثقافة، والموظفة المسؤولة تستحق جائزة نوبل في فن التعامل، لكن أخشى أن يختنق الطفل هناك فآخذه وأدفنه تحت تراب الدعاية.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01