search
إصدارات
ارتباطات
المجنون الإيجابي أخطر..
11/5/2009
يُعرف العقل بهذا الاسم لأنه يُعقِل الأمور، أي يربط بعضها ببعض، فالعاقل يربط بين الأكل بنهم وبين السمنة، بينما المجنون لا يربط، فالأكل بنهم لا يؤدي عنده إلى السمنة والتي هي ليست نتيجة للأكل بنهم.   

لكن للإنصاف، فإن مصطلح "مجنون" مصطلح ناقص، والصحيح أن يقال عن الذي لا يربط أنه "مجنون سلبي"، في مقابل مجنون آخر هو "المجنون الإيجابي"، الذي يعقل أكثر من اللازم. فالمجنون السلبي لا يربط "خير شر"، بينما المجنون الإيجابي يربط كل ما يخطر بباله ويخرج بنتيجة تستحق أن يدخل بسببها إلى مستشفى المجانين معززاً مكرماً بملابس خضراء فاقعة، ليلعب "الغميضة" أو "الكوك" مع أخيه المجنون السلبي. 

يُعرف هذا النوع من المجانين من خلال تطرفه في عملية الربط والعقل، حيث يربط بين أشياء لا تتربط بعضها ببعض أو رابطة السببية بينها شبه معدومة. فيربط في مثال الأكل بنهم بينه وبين نظرية المؤامرة؛ فأنت تأكل بنهم، يعني أن وزنك سيزداد، وحين يزداد وزنك، لن تستطيع الدفاع عن قضايا الأمة وانتشال شبابها من براثن الاستعمار الجديد، لذلك، يروّج الغرب الأطعمة الكثيرة الدسم القليلة الفائدة.  

يظل عقل المجنون الإيجابي مقيداً سنوات طويلة بآلاف من حبال الربط، حيث يبدأ في صنع حبل واحد، وسرعان ما تزداد حبال الربط، وتتشابك بعضها ببعض، فلا يعود بمقدوره حلّ الحبال، ويتحول تدريجياً إلى مجنون سلبي لا يعرف كيف يربط بعد أن "تشربكت" الحبال في مخه، خصوصاً إذا بدأ صمغ الزهايمر والخرف يسري في عقله ويلصق بفصوص مخه ويحيل كومة الحبال إلى كتلة صلبة. 

لا يمارس المجنون الإيجابي لعبته في ملاعب السياسة أو الشأن العام فحسب، بل حتى في محيطه الصغير، يلعب لعبته بإتقان، لدرجة أنه يكون سبباً في مشكلات عائلية ووظيفية لها أول وليس لها آخر، مثل حبال عقله. فنسيبه لم يدعه للاحتفال بمناسبة عيد ميلاد ابنه، لأنه كان معارضاً زواجه من أخته، وسبب معارضته هو نجاحه هو وفشل نسيبه، ولم يفشل نسيبه إلا لأنه غبي. ولم يحصل على ترقية هذه السنة لأنه تكلم بشجاعة في الاجتماع السنوي.  

وفوق هذا، فهو يعتقد أن شخصاً ما لئيمٌ أو حاسدٌ، ثم يقوم بتركيب الأحداث والمواقف على ذلك الشخص بناء على رأيه فيه، بينما يفترض أن الأحداث والمواقف هي التي تحدد إن كان ذلك الشخص لئيماً أو حاسداً من عدمه، وليس العكس.  يتحلى المجنون الإيجابي بسوء الظن المبالغ فيه، وتكذيب الآخرين، والانغماس في التفكير فيما وراء الأشياء، والقيام بأدوار رجال المباحث ووكلاء النيابة، والتسرّع في إصدار الأحكام أو بالأحرى في ربط الحبال، والإعجاب بعقله بشكل فجّ واستعلائي، وفوق هذا، فهو يتذاكى كثيراً.  

وهو للحقيقة والتاريخ، أخطر على أفراد المجتمع من المجنون السلبي الذي لا يصدقه أحد، بينما المجنون الإيجابي يكون عادة من المثقفين والكتّاب والمحللين ممن يجدون لهم مكاناً في وسائل الإعلام المختلفة والتي تبحث عنهم في كل مكان، لأنهم مادة خصبة وجاذبة للجمهور، سواء من الذين يعجبون بهم وتتلوث عقولهم ويأخذون في ربط ما لا يُربط، أو من الذين يجلسون يستمعون إليهم باعتبارهم أشخاصاً مسلّين ومهرجين فكرياً. 

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01