search
إصدارات
ارتباطات
بطاطا المليونير البخيل
11/5/2009

 

كان جارنا في السبعينيات في منطقة نايف بديرة، لا يدخل إلى بيته من السمك إلا الشعري، ومن المشروبات إلا الشاي، ولا يحمل في يديه أي مفاجآت لعياله، فلا شيء إلا ما يعجبه هو شخصياً، ولولا الجيران، لما عرف عياله أن الله خلق الهامور والكنعد والموز والتفاح والعصائر والحلويات، لأنها في نظر والدهم من سلة الشيطان الذي يوسوس لبني آدم كي يصبح أخاً له بالتبذير.  

وكان يعلّم الصبيان القرآن بالعصا، ويقطع صلاته بشتم عياله ثم يواصل الصلاة كأنه ناجى وحياً نزل من السماء.

وأكثر ما كان يجعله يرفع يديه ويقطّب حاجبيه إذا رأى عياله يبرّون أقلامهم الرصاص، فالبري يأكل من طول القلم، وهو يكره نفاد ما يشتريه. وبقي يُحاسبهم على نفاد الأقلام ويراقب حركة أفواههم حتى نفد هو بنفسه من الحياة.  

كان المشهد في ذلك اليوم، كما يقول الرواة، دراماتيكياً: الأب العجوز مسجى في سيارة نقل مكشوفة والناس من حولها يحوقلون، وأولاده يحيطون بالسيارة وهم يطبّلون عليها ويغنون.

وبعد أربعة أشهر وعشرة أيام بالضبط، وضعت أرملته المساحيق على وجهها إلى أن تزوجت، وأخذ عياله يأكلون بنهم حتى مات أحدهم بالتخمة، وأصبح آخر مدمناً على المخدرات، وبقيت الحسرة في قلوب من بقوا على نصف حياتهم الذي ذهب وهم يتضوّرون جوعاً، والنصف الذي جاء وهم يتألمون شبعاً.   

كان، رحمه الله، من أشد المقترين بشاعة، كريماً على نفسه بخيلاً على عياله، وهناك بخلاء آخرون يستحقون أن يُشار إليهم بالبنان والعصي. كواحد منهم ركب معي في السيارة حين كنت مأمور تنفيذ لدى المحكمة، وتقدّم هو بأعلى سعر على مزاد لبيع مصنع للحديد والصلب، وسلّمني شيك مستحق الأداء بقيمة 40 مليون درهم.  

"الله يبارك له في ماله".. لكن في طريق العودة جاءه اتصال، وراح يشتم المتصل ويقول له: لا تُكثر من اللحم في المرق يا حمار، أضف إليه المزيد من البطاطا. أسرعت في المسير لأن رائحته جعلت أنفي يتورّم، ففوق أنه غير معني بالعطور في شهر يوليو ورطوبة دبي، فإنه يلبس كندورة أكلت الغسالة خيوطها، ويلبس تحتها "شورت" من دون قميص داخلي. أنزلته بالقرب من سيارته المرسيدس الخضراء طراز 1980، وكنا في العام 2005.  

وهناك الكريم بعد الوفاة الذي لا يبسط يديه إلا حين يسمع خطوات ملك الموت، فهو الذي لم تطاوعه نفسه للتبرع بدرهم واحد في حال حياته، يوصي بجزء من تركته لأوجه الخير، ويعتقد أن هذا سيمحي ندوب الشحّ من وجهه يوم القيامة، ولا يدري أنه مجرد لص يسرق من مال الورثة، أو فضولي في أفضل الأحوال.   

والغريب أن بين البخل وبين الغنى والسنّ والتديّن علاقة طردية، فكلما تضاعف مال المرء، وكلما ازدادت الشعيرات البيض في رأسه، وكلما كبُرت ندبة السجود على جبهته، كان قبضه على ماله أشد مستعيناً بيديه ورجليه وأضراسه. على الرغم من أنه يفترض أن تكون العلاقة عكسية، فكلما ازدادت ثروة المرء، تضاءل شبح الفقر في عينيه، وكلما اقترب من نهايته، وضحت الصورة أمامه وعرف أن المال الذي جمعه سيذهب إلى الذين ينتظرون بفارغ الصبر النبأ العظيم، وكلما اقترب من ربه وعرف ما عنده من نعيم أخروي، زهد في هذه الدنيا الفانية.  

لكن الواضح أن للبخل مفهومه الخاص، فالبخل مع الغنى يحدث لأن حجم المال الذي عليه إخراجه يغريه بإمساكه، فمن يملك مئة ألف درهم، سيعطي الألف وهو يضحك، بينما الذي يملك مليون درهم، فإن تذكّر مبلغ العشرة آلاف ترفع قرون البخل في رأسه، ولأن الثروة لا تنمو غالباً إلا بالتعب، لذا فإن البخيل، كلما رأى درهماً من دراهمه، تذكّر العناء الذي كابده لجمع الملايين. فهو يتذكر قصة التعب مع كل درهم بشكل منفصل ومستقل عن باقي الدراهم، ويصبح إخراج الدرهم التافه مثل إخراج عينه من وجهه. والبخل مع تقدم العمر، يمكن تفسيره بأن البخل عنده بدأ بأنفلونزا ثم انتشر وأصبح مرضاً مزمناً مستفحلاً. 

أما البخل مع التديّن، "فالذي يظهر لنا" كما يقول الفقهاء، أن البخيل حين يضع رأسه بعيداً عن وسادته المحشوة بالدراهم ويتجه إلى صوب محرابه، يتذكر أن الدين يذم البخيل بشدة حتى قيل أن الكريم يدخل الجنة ولو كان فاسقاً، والبخيل يدخل النار ولو كان عابداً. 

لذلك يقعد يفكّر في سبيل النجاة، فيجد أن التوازن يمكن أن يفتح له أبواب الجنة، ويقنع نفسه قائلاً: أنا صوّام قوّام مجتنب لحرمات الله، لحيتي طويلة، وبناتي محجبات، وكتاب الله في حجري، ولم أرَ في حياتي قفى المصلين فأنا في الصف الأول دائماً، و.. بعد هذا "كله" لا بأس في القليل من البخل المدروس الذي يشبه الاقتصاد والتوفير، وإن الله غفور رحيم. ولا يدري أن أقرب الناس إليه لا يغفرون ولا يرحمون بل يطبّلون ويغنّون.    
 

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01