search
إصدارات
ارتباطات
لا أحد يأكل روح النيهوم
11/5/2009

 

أدباء ليبيون وعرب كانوا يرخون أحزمة بنطلوناتهم استعداداً لأطباق الطعام بمطعم فندق بمدينة بنغازي، فالقاعة محجوزة لهم، حيث سيحتفون بالأديب الليبي الراحل الصادق النيهوم على وقع الأشواك والسكاكين. لكنهم فوجئوا بإدارة الفندق تطلب منهم إخلاء القاعة التي تتسع لخمسين فرداً، على الفور، لأن "هاموراً" برتبة عقيد في الأمن العام، قرر اليوم التهام السمك في المطعم مع زوجته وعياله.   

الصحف الليبية شنّت هجوماً على الضابط واصفةً تصرفه بأنه صورة من صور الطغيان.. لكنني أعتقد أن الهجوم لا مبرر له، فقد كنت أقرأ الخبر وأنا في مكتبي المنزلي، ورفعت رأسي ووجدت أحد عشر كتاباً من مؤلفات الأديب والمفكر الصادق النيهوم تقف على رفوف مكتبتي، وهي موجودة على رفوف أي مكتبة عربية، عامة أو خاصة، ومؤلفات النيهوم مترجمة إلى لغات عدة، أي أن روحه تجوب أنحاء العالم. 

هذا هو التكريم الحقيقي للمبدع، في حال حياته يشعر بالتكريم حين يرى المحبة والتقدير في سطور وعيون قرائه ومحبيه، وليس الصعود على المنصة واستلام شهادة أو ميدالية. وبعد فناء بدنه، فإن بقاء كتبه وفنه بين الناس هو أعظم تكريم، لا الاحتفال به على موائد الطعام وتقطيع روحه بالسكاكين والتهامها.   

لكن ماذا عن الطرف الآخر؟ خلق الله الملايين من أمثال العقيد وليس هناك إلا نيهوم واحد، وعاش العقيد يؤدي التحية العسكرية مثله مثل مئات الملايين من العساكر الذين أكلتهم الأرض، وقيّد التاريخ انتصاراتهم وإنجازاتهم –إن وُجدت- بأسماء قلة قليلة من القادة العسكريين. وحين عرف بعض الناس ذلك العقيد، فلأن روح النيهوم حلّقت فوق رأسه. وسينتهي الأخ العقيد بانتهاء تاريخ صلاحيته، ليقعد بعدها في المقهى يقرأ في كتب النيهوم والأدباء "المحوّشين" من القاعة ليتعلّم شيئاً مفيداً في هذه الحياة.  

في مصر كرّمت الدولة الملحن والمطرب محمد عبدالوهاب بمنحه رتبة "اللواء" الشرفية، وكرّمه لبنان بوسام الأرز اللبناني من مرتبة "الكوماندوز". مثل هذه الرتب الفخرية هي من علامات جنون البشر، لأن عبدالوهاب باقٍ بصوته ولحنه ويكفيه لقب "موسيقار الأجيال"، والذين كرّموه ذهبوا في حال سبيلهم، ولا أحد يتذكرهم اليوم إلا حين يتابع البرامج التلفزيونية السياسية، وفي الغالب لا يُذكرون إلا بدم أراقوه أو طغيان ارتكبوه.  

ويكاد الأدب يفوق بقية الفنون والعلوم أهمية في نظر العالم، يقول الكاتب هاشم صالح: "والشيء اللافت للانتباه هو أن نوبل الآداب هي التي تحظى بكبرى درجات الاهتمام والترقب! إنها أهم من نوبل الفيزياء أو الكيمياء أو الطب أو حتى جائزة نوبل للسلام.. أليس هذا دليلاً على عظمة الأدب وأهميته باعتباره روح الشعوب وجوهر الإبداع البشري؟".

فهل من الإنصاف، بعد هذا، أن يُحاسب ذلك الضابط المسكين على طغيانه قصير الأمد، ويُحرم فرصة تحرير المطعم من المدنيين، خلال حياته الوظيفية القصيرة جداً، أي ما دامت يده قادرة على أداء التحية العسكرية، مقارنة بعمر الأدباء والمبدعين، وهو عمر لا يقاس بالنجوم العنقودية على صدور الجنرالات، بل بالسنوات الضوئية في سجلات الخالدين.

Share |
|
|
|
أحمد أميري
2/7/2009 4:15 PM
ألا تعرفين أختي أم سهيل أن شعار بعض الأدباء هو: "الجوع كافر"؟
أم سهيل
2/7/2009 3:19 PM
تضحكني الكثير من المواقف الأدبية لمدعي الأدب حين يقومون بعمل الولائم وتفرش مفارش الطعام في الفنادق الكبرى في ذكرى وفاة أديب! وهل كان الأديب المحتفى بتاريخ وفاته يؤلف كتب الطهي؟ إذا كان كذلك لابأس.. ولكن حين يكون أديبا مفكرا بذل عمره أو ربع عمره في خدمة الحركة الأدبية ما له وما للطعام؟! حتى لدرجة ان أصبح {بعض} الادباء أو أفضل تسميتهم بمدعي الأدب لا يحضرون الندوات الأدبية الا التي تنتهي بوليمة دسمة! إلى ان أصبحت الندوات عبارة عن الكثير من الاكل يتخللها القليل من الفائدة....!
أحمد أميري
13/5/2009 02:01 AM
أضم صوتي إلى صوت والدك، أطال الله في عمره، فعلاً لماذا كل تلك البهرجة التي تصاحب أيام العزاء؟
يوسف
12/5/2009 6:53 PM
لا اعرف لماذا يحتفل الناس بوفاة احدهم ؟ -- قال لي ابي لو وافتني المنية لا قدر الله وصيتي لك بان لا تحتفل فقط خيمه مفتوحه أليس من المفترض ان نذكر مآثره بدل الأكل
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01