search
إصدارات
ارتباطات
خروف مدرسة البيك أب
12/6/2009

 لاحظ أحد أعيان البلاد أن عياله يتفاخرون بأنهم أبناء فلان وفلان، فعلّق كُلاّباً (بكرة) في مجلس بيته وقال لهم: هذا كُلاّب ورثته عن أبي، فقد كان جدكم حمّالاً وأنا ابن حمّال وأنتم أحفاده، ويهمّني أن يعرف الزوّار والضيوف أنني وإياكم من سلالة حمّالين.  

وإذا وجدتُ أبنائي يتفاخرون يوماً لأي سبب كان، فإن بيتي سيتحوّل إلى معرض فني: ميزان نحاسي لأن أبي اشتغل في أول شبابه بائعاً في بقالة، وآنية حلوى بعد أن عمل في معمل حلويات، وطابوق لأنه اشتغل في البناء، وأخيراً محراث كعلامة لعمله الحالي في زراعة بيوت أولاده وأحفاده بعد أن تقاعد عن التجارة.  

وكنت في صباي ألوم أبي سراً، فحين تكون سيارته معطلة، يأخذنا إلى المدرسة ويعيدنا منها بسيارة الدكان: "بيك أب" أصفر اللون يشعُّ من بعيد، ويُسمع صوت تروس محركه وهي تتعاضض. ومع اقترابه من المكان، تشعر بأن مجسّماً للزلزال قادم على أربعة إطارات. بينما تقلُّ الأولاد سيارات لائقة أو سيارات أجرة أو باص المدرسة الذي يتساوى فيه الجميع.  

وكنت أنتظر أن يسألني بعض من كانت عيونهم تلمع بالضحك أثناء صعودي إلى الجزء الخلفي والمفتوح من "البيك أب" كأنني خروف أسترالي، فأقول على الفور إن أبي ما يزال في شركته "الكبيرة"، وقد بعث هذا ليحملنا اليوم، فقط. ولحسن الحظ أن أحداً لم يسألني لأرد عليه بذلك الجواب الأحمق.  

لم أكن أدري أن "البيك أب" مدرسة تربية قائمة بذاتها، فمع تمرّغ أنفي في ديزله، أصبحت متواضعاً في نظرتي للسيارات وأصحابها، وصار "البيك أب" علامة فارقة في حياتي، فلا أقول كما قال الحجّاج في أول يوم له في العراق:  

 أنا ابن جلا وطلاع الثنايا.. متى أضعُ العمامة تعرفوني
 بل أقول:  
أنا ابن أبي وسوّاق البيك أبِ.. متى أصفُ العلامة تعرفوني

واستطعت أن أقهر نفسي في هذه الجزئية وأزيل عنها حساسية السيارات، وحصل أن استعملت سيارة واحدة لمدة ثماني سنواتٍ، وهي مدة طويلة في مجتمع الإمارات، خصوصاً عند بعض الشباب الذي يبدّل سيارته مع كل سنة كبيسة، وفوق هذا، كانت السيارة تدخّن أحياناً وتأبى إلا الوقوف في عرض الطريق. 
 
ولا تكتفي رموز الآباء والأجداد بإفساد حفلة تفاخر الأولاد وقلب نخب استعلائهم على الناس إلى قهوة مُرّة منتهية الصلاحية، بل تجعلهم أقل حدة في نظرتهم للأمور، فالقاضي الذي يضع في معصمه ساعة مصنوعة من القيود التي وُضعت في يد جده اللص، ستجعله يفكر ألف مرة قبل أن يصدر أحكاماً قاسية بحق المخطئين.   

وتفيد تلك العلامات في تقوية الجهاز النفسي للمرء، فالمليونير الذي يحتفظ على تسريحته المكتظة بأرقى العطور الفرنسية، ببقايا الشمع الأحمر الذي ألصق على باب مؤسسة أبيه الذي مات مفلساً، ستعينه على تحمّل هموم الضائقة المالية إذا مرّ بها، ولن يفكر في ربط حبل على المروحة ولفها على رقبته بسبب هشاشة بُنيته النفسية.  

والوزير الذي يعلّق في مكتبه مكنسة والده الذي كان يعمل كنّاساً لا يُبقي من الأوساخ ولا يذر شيئاً منها، أو حتى يضع المكنسة التذكارية نصب عينيه دون الحاجة إلى عرضها علناً، سيكون أكثر مرونة وتقبّلاً إذا ما عصفت به الأيام وأزيح عن الوزارة ولم يجد أمامه إلا العمل مندوباً للمبيعات في مصنع لأكياس القمامة.  

ليس المطلوب أن يصبح المرء نصف كائن بشري، ذليلاً ومتعلّقاً بالماضي الصعب والأليم، وفي المقابل ليس من اللائق أن يكون بشرياً ونصف، متورّماً ومتنكّراً لماضي أسلافه، وكل المطلوب أن يكون في المنطقة الوسطى بينهما: بشرياً واحداً بالضبط، مثل كل البشر.    
         

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01