search
إصدارات
ارتباطات
هل الداعية والدين كيان واحد؟
28/5/2006

 

 

سألني زميل متدين صباح أحد الأيام: هل صليت الفجر في المسجد؟ في بادئ الأمر تضايقت منه ومن سؤاله، في المرات التالية كنت أضحك بسبب ظُرفه وهيئته الكوميدية ولغة جسده المسرحية، فهو كوميديانٌ ضلّ الطريق. فأتاني ناصحاً بألا أسخر من الصلاة. تعجبت موضحاً أن ما يضحكني سؤاله وأسلوبه. قال عموماً هذا لا يجوز مستشهداً بآية قرآنية بالمعنى الذي ذهب إليه. 

تطوّرت العلاقة وراح يلقي عليّ النصائح والمواعظ، فأضحك من تعبيرات وجهه وحركات يديه وساعة طرح المسألة والهدف من ورائها وغيرها من أمور تتعلق بشخصه هو ولا علاقة لها بنصحه ووعظه. فيستغفر الله ويضرب كفاً بكف مستغرباً من جرأتي على الدين وتجاسري على التعاليم.

فأقول يا أخي، هل أنت فلان الفلاني الذي تعمل في المكان الفلاني أم أنت الإسلام ذاته؟ يعني هل تجسّد الإسلام في شخصك الكريم؟ يردّ منذراً: لن ينفعك التمنطق يوم القيامة.

وكان أن أهداني شريط كاسيت للداعية "وجدي غنيم" يهاجم فيه مجلة "روز اليوسف" لأنها انتقدته وسخرت من أسلوبه في الدعوة. وأخذ الداعية يكرّر سؤالاً استنكارياً واحداً طوال الخطبة: "بصّوا إزاي بيحاربوا الله ورسوله والقرآن والإسلام ومن ثم الدعاة"؟ هكذا بثقة وبساطة: مَنْ يهاجم أسلوب الدعاة يعني أنه يحارب الله ورسوله وبالتالي يعتبر كافراً. فهو يكفّر ضمناً من يهاجم - سماحته - شخصياً.

هذا الاندماج أو الاتحاد الذي يظنه بعض الدعاة بينهم وبين الإسلام سببه تضخّم ذواتهم، فهم ليسوا دعاة فحسب، بل ممثلون معتمدون للإسلام، أي وكلاء، لكن ليس هناك كاتب عدل واحد في العالم يعتمد وكالتهم. وهذا هو الكهنوت بشحمه ولحمه وعظمه لكن بملابس إسلامية. وطالما لا يحوزون وكالة مصدّقة، فهي إذن وكالة الفضولي، ويتفضل الفضولي بالتصرّف نيابة عن الأصيل لأنه لا يعرف قدر نفسه.

لتقريب المعنى: إذا وضع طبيب على رأسه كرتوناً بداخله عدته وأدواته وطاف في الأحياء ينفخ في البوق ويدقّ الأبواب منادياً: هل من مريض أعالجه؟ وكانت جميع تشخيصاته صحيحة ووصفاته سليمة، فهل يعتبر انتقاد هذا الطبيب بالذات انتقاداً للطب نفسه؟ والمهندس وظيفة بينما الهندسة علم مستقل عنه، فالأول إنسان ينجح ويخفق، قد يصمم برجاً من مائة وعشرين طابقاً فيصمد مائة وعشرين سنة، وقد يصمم بناءً من ثلاثة طوابق فيسقط على أم رأسه بعد ثلاثة أيام.

والأمر نفسه بشأن الداعية، لأن صعوده المنبر ونزوله يعتبر عملاً ووظيفة قد يصيب أثناء ممارسة مهامها أو يخطئ. والغريب أن الداعية المذكور، وقع في حفرة التكفير نفسها عندما تهجّم على دعاة آخرين لا يوافقونه الرأي الفقهي والأسلوب الدعوي. 

ومعروف انتقاد الدعاة بعضهم بعضاً ما بين تبديع وتفسيق وتخوين وتكفير أحياناً. آخر الاتهامات أطلقها الشيخ يوسف القرضاوي ضد الداعية عمرو خالد بخيانة الأمة بسبب سعي الأخير لعقد مؤتمر توضيحي في الدانمرك على خلفية الرسوم المسيئة.

فهل سبّ القرضاوي الإسلام وحارب الله ورسوله، وبالتالي كفر حسب هذا المنطق، لأنه اتهم عمرو خالد بخيانة الأمة؟ هو انتقد تصرّف داعية مثله، إلا إذا كان الانتقاد مسموحاً به في محيط الدعاة أنفسهم بينما على الناس، أي العامة كما يسمّونهم، أن يؤمِّنوا كلما دعا الداعية أو خطب الخطيب، أي أن يقولوا آمين، سمعنا وأطعنا؟

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01