search
إصدارات
ارتباطات
أنا أقرر إذن أنا موجود
10/7/2009

 

في الأسابيع الأولى من ظهور مرض إنفلونزا الخنازير، قرأتُ مقالاً في صحيفة محلية، واستمعتُ إلى أكثر من مذيع، وأعداداً من المتصلين بهم، يشكّكون جميعهم في وجود هذا المرض، وأن شركات الأدوية هي التي تطلق تلك "الأكاذيب". بالطبع في اللقاءات الشخصية مع الأصدقاء وزملاء العمل، لا يكتفي بعضهم بالتشكيك، بل بالسخرية وإضفاء لمسات من نظرية المؤامرة على القضية. لا أدري ماذا يفعل هؤلاء الآن بعد أن وصلت إنفلونزا الخنازير معظم البلاد العربية، بل دخلت الإمارات أيضاً.  

القصد من هذا الكلام ليس تأكيد أو نفي وجود هذا المرض، فلا أنا، ولا جميع المعلّقين، نعمل في المنظمات الصحية، لكن الكلام هنا عن فضيلة غائبة عنا، ألا وهي "عدم التصديق وعدم التكذيب"، كما نتعامل مع الروايات الإسرائيلية لتاريخ الأنبياء، فنحن لا نصدّقها ولا نكذّبها، ونقف على الحياد، مجرد مستمعين لا أكثر ولا أقل.  

فمثل هذه القضايا ليست "لعبة" أو مجرد مسألة رأي يمكن أن يذهب بعضنا فيها إلى أقصى اليمين، وينحاز بعضنا إلى أقصى اليسار، ويظل الباقون في المنطقة الوسطى، وإنما هي قضية أخبار ووقائع، تُعلن من قبل جهات معترف بها من قبل جميع بلدان العالم، وتؤكدها حكومات بلدان متقدمة معنيّة في المقام الأول بحماية مواطنيها وكشف كل ما يمس أمنهم وسلامتهم. فإن كان تصديق ما يقولونه مستحيلاً ومما تأباه المروءة، فعلى الأقل نتوقف طويلاً قبل أن "نقرر" ونحن على بُعد آلاف الأميال عن تلك الوقائع والأخبار، أنها مفبركة وغير صحيحة. 

الأمر الآخر المرتبط بهذا الموضوع هو الإسراع إلى تصديق أو تكذيب أي خبر أو وقائع طالما لم يكن المتحدث جزءاً من القضية، فإنفلونزا الخنازير مجرد أكاذيب لأن القاعد في المقهى واضعاً رجلاً على الأخرى، لم يُصب هو شخصياً بالمرض، ولا أحد من أهله، ولا من مواطني بلاده، فمادمتُ أنا سليماً ولا أعطس ولم يتورّم أنفي ولم يصبح أحمر اللون، فهذا يعني أن المرض غير موجود! 

ومثل هذا المنطق ينسحب على جميع شؤون الحياة، فالمشكلة ليست في هذه القضية أو تلك، إنما في عقل هواة التصديق أو التكذيب من دون علم، الذين يعتقدون أن البشرية ينتظرون آراءهم على أحر من الجمر، وأن الاكتفاء بقول: لا أدري، ولا أعلم، ولا أصدّق ولا أكذّب، عيب ودليل ضعف ثقافة وعدم متابعة لما يجري في العالم، فإذا لم يدلِ هو بدلوه في هذه القضية أو تلك؛ فمن الذي سيدلِ إذن؟ 

وتكون المصيبة أكبر في السياسة، ومن أمثلة التكذيب، أن صدام كان قائداً فذاً ومحبوباً، لم يعذّب أحداً، لأن الذي يتفوّه بهذا الكلام لم يرَ صدام وجهاً لوجه، ولم يكن من رعايا الدولة التي كان يكبس على صدرها، ولم يحصل أن تعرضت بلاده لمشكلة من قِبل نظام صدام.. ولذلك، فهو لم يفعل شيئاً، وكل ما يقوله العراقيون أكاذيب وأضاليل.  

أما مثال التصديق، فما حصل مع الانتخابات الإيرانية الأخيرة، فهي حقيقية وتعبّر عن رأي الإيرانيين، ولم تقع أية حالات تزوير، بل على العكس، جرت الانتخابات في جو ديمقراطي وحر ونزيه، لأن المتحدث أصلاً لم يزر إيران في حياته، ولم يتحدث إلى أي إيراني، وهو، أي المتحدث، صوّت في نفسه لأحمدي نجاد، وهذا يعني أنه هو الفائز الحقيقي، وكل تلك المظاهرات والاحتجاجات، التي دعا إليها كبار قادة النظام نفسه، هراء وكلام فارغ.. ولا عزاء للعقل.

Share |
|
|
|
أحمد أميري
11/7/2009 8:18 PM
شكراً أخي عبدالرحمن وتحليلك ممتاز ومنطقي وأعتقد أنه صحيح، وقيل: "من ترك قول لا أدري، أصيبت مقاتله".. فالذي "يدري" كل شيء لابد أن يسقط في فخ الإعجاب بعقله وبثقافته مع كثرة القضايا التي يفتي فيها وهو لا يعرف منها شيئاً لكن يستحي أن يقول: لا أدري.
عبدالرحمن حماد
11/7/2009 4:30 PM
انا احترم الشخص اللي يملك الجرأه الكافيه ليقول : "لا ادري" واصير اكثر ميلا للاستماع لارائه في مواضيع ومناسبات اخرى لانه عندما كان لا يدري صرح بها وبالتالي فهو لايتكلم من فراغ عندما يدري
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01