search
إصدارات
ارتباطات
تفصيل المبادئ على الهوى
10/7/2009

 

شخص فضولي وثرثار كان يجلس معنا على إحدى الموائد، أخذ يدعو إلى عدم شرب علب الكولا المتناثرة على السماط كيداً بالشركة الأمريكية المنتجة، ولا أدري لماذا هذا الكيد؟ المهم أنه بدا رجلاً صلب الإرادة لا يتزحزح عن مبادئه قيد جزء من أنملة، حتى ظننته لوهلة أنه فيديل كاسترو.  

لكن أحداً لم ينتبه إلى أنه أفرغ زجاجة صلصة "تاباسكو" الحارة على البرياني الذي كان يأكله، لدرجة أن الصلصة الحمراء المعتّقة كانت تتقطّر من بين أصابعه، ولحسن حظه أنني لم أكن معنياً بنداءات المقاطعة التي أطلقها، لأنني لا أقاطع إلا ما يضرّني، وقد تركت شرب الكولا منذ أن عرفت أنه أبلى بلاءً سيئاً في جسدي، فحتى لو نزلت علبة كولا من السماء فإنني لن أشربها. 

لذلك قلت في نفسي وأنا ألجم لساني عن الكلام: وماذا عليّ إن هو دعا إلى مقاطعة الكولا الأمريكية ثم أفرغ صلصة تنتجها شركة أمريكية في جوفه؟ بل فكّرت في تقبيل رأسه، لأنه ألهمني فكرة كتابة مقال عمن يتخذ مبادئه هواه، وكلنا نتخذ عموماً ونتباكى في الوقت نفسه على المبادئ. 

وتجد شخصاً يعد الالتزام بارتداء الزي الوطني قضية القضايا، سواء في بلده أو في الخارج، ففي كل الأحوال يجب الاعتزاز بلباس الآباء والأجداد الذي يفوح منه عبق الماضي، بينما التنازل عن هذا يجرّ إلى تنازلات أخرى، وهذا جميل ورائع، لكن الشخص نفسه يتصرف مثل السعادين عندما يسافر، وهو يرتدي لباس الآباء والأجداد، فيكون سفيراً سيئاً فوق العادة لبلاده، وفضيحة لكل مواطنيه، ويظهر أن اعتزازه بالزي الوطني لم يكن إلا لهوى وقع في نفسه، فهو يشعر بالراحة أكثر في ذلك اللباس، وربما يشعر بالحرج من ارتداء الملابس الأخرى، فركّب هواه على ظهر المبادئ.   

ومن المبادئ المتعارف عليها في العمل مثلاً أن "قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق"، وهو مبدأ عظيم ولا أحد يجادل فيه، لكن يحصل أن المدير الذي يصبر على الموظف المتقاعس والمهمل صبر أيوب، ويستوعبه بحكمة لقمان، يصبح مثل الحجّاج بن يوسف أمام الخادمة المتكاسلة في العمل داخل منزله، فينفد صبره بسرعة ويقطع رزقها على أول طائرة عائدة إلى بلادها.  

فماذا جرى يا سيادة المدير؟ لا شيء سوى أن طوّع المبدأ وفقاً لميل هواه، لأن المتضرر الأول من الموظف المتقاعس هو العميل، والجهة التي تلعب بلاعب ناقص هي المؤسسة الحكومية وهي التي تعطيه راتبه الشهري، فإنه يضع ذلك المبدأ العظيم في عين كل من يطلب منه إنهاء خدمات ذلك الموظف، بينما المتضرر الأول من الخادمة المتقاعسة هو وعياله، والخسارة يسددها من عرق جبينه، لذلك يتناسى ذلك المبدأ غير المنطقي ويقطع التذكرة بلا مبالاة. 

وعلى المستوى العام، بين المسلمين مثلاً، قد لا تجد مسلماً يأكل لحم الخنزير، كيف يأكله وهو محرم بنص الكتاب والسنة؟ لكن في المقابل تجد من بين المسلمين من يتناولون الكحول، بل ويلحسون شفاههم بعد الشرب، ويرتكبون كل ما هو محرّم في جميع الأديان والشرائع إلا أكل لحم الخنزير.  

والسبب أنهم نشأوا على كره الخنزير، وأصبح النظر إليه بأنفه الأسطواني أمراً يثير التقزز والاشمئزاز، خصوصاً أن الخنزير "يلطم" كل ما يجد أمامه من طعام وديدان وقاذورات، وكذلك من الأمراض التي تنشأ من تناول لحمه. فالقضية ليست مبادئ ولا التزاماً دينياً ولا تقوى ولا هم يحزنون، بل تفصيل المبادئ على ما يحب المرء ويهوى.

Share |
|
|
|
أحمد أميري
14/7/2009 12:37 AM
الجواب يا مولانا الهاشمي من جنس السؤال. وشكراً ومبروك للبقالات بمناسبة اقتراب موسم "ضرب التونة".
أحمد عبدالله الهاشمي
13/7/2009 12:25 PM
ههههههههههههههههه نكته روعه ولا أجمل : -من قبل عزام هل انت مسلم؟ -من قبل أحمد أميري نعم.. وقبل أن تشهر أنت إسلامك أمام الأوقاف ---------------------------------------- صراحه دمك عسل أحمد أميري وكل عام وانت بألف بخير ومبروك مقدما عليك شهر رمضان
أحمد أميري
13/7/2009 10:49 AM
نعم.. وقبل أن تشهر أنت إسلامك أمام الأوقاف.
عزام
13/7/2009 09:02 AM
هل انت مسلم؟
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01