search
إصدارات
ارتباطات
الذئب يعوي منذ آدم
30/7/2009

 

سيأتي يوم يقول فيه الضيف العجوز في البرنامج التراثي: آه يا زمان النت، كان الإنترنت في بدايات القرن الواحد والعشرين متوافراً فقط في جهاز يسمى كمبيوتر، وفي العيد كنا نتبادل التهاني بشيء اسمه "مسج"، والعمل يبدأ من العاشرة وينتهي في الرابعة عصراً، وكانت هناك سيارات وطائرات وقطارات، والأكل كان طازجاً ولذيذاً، كان هناك الكثير من الهمبرجر والعصائر المعلّبة والمشروبات الغازية والسجائر والشيشة، والناس، آه على الناس، كيف كانوا وكيف أصبحوا اليوم؟ رحم الله أيام زمان.  

يتنهد الضيف تنهيدة تجعل المذيع الشاب يبكي وهو يقول: لقد تغير كل شيء يا أيها الوالد، فالنت أصبح جزءاً من الجو ويتأثر بتقلّبات الطقس. وفي العيد نهنئ بعضنا بعضاً عن طريق التخاطر عن بُعد، أفكّر فيك؛ فتضاء لمبة فوق رأسك.  

والعمل يبدأ في العاشرة صباحاً ولا ينتهي إلا عند دقات الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي، واندثرت وسائل النقل القديمة، فاليوم لكل إنسان إطاران بدلاً من النعال، ومروحة فوق رأسه تأخذه إلى السماء السابعة، والأكل ضار وبلا طعم، مجرد عقاقير وكبسولات، ومصيبتنا أكبر في الناس الذين ما عادوا ناساً، وإنما ذئاب والعياذ بالله .. ثم مقطع موسيقي للموال البحري الخليجي الشهير "هو يامال" مع صوت مروحة التهوية في الكمبيوتر، بدلاً من أصوات تلاطم الأمواج. 

الضيف أو الوالد لن يكون إلا واحداً من شباب "اليومين دُول"، والذين يلعنون في الوقت الحالي أيامهم وطريقة حياتهم والبشر الذين يتعاملون معهم، ويعتقدون أن أيام زمان، أي أيامنا نحن الآن، كانت سمناً على عسل، وكان الناس هم الناس. أما المذيع الشاب، فسيكون واحداً ممن يلعنون أيامهم ويعتقدون أن تلك الأيام كانت بيضاً على طماطم، والناس أتقياء وأنقياء وأوفياء، وأوزانهم زائدة من الصفات الحميدة.  

الإنسان بطبعه يحنّ إلى الماضي، ليس لاعتقاده بأنه كان رائعاً، وإنما لأنه لن يعود. ولا يستطيع تذوّق جمال حاضره؛ لأنه يعيش في حالة من البلادة، فهو جزء منه ولا يستطيع أن ينظر إليه من خارج هذا الإطار. ويفكّر في المستقبل بطريقة تشاؤمية؛ لأنه يحسبها هكذا: إذا كان الماضي جميلاً، وكان الحاضر بلا طعم، فمن الطبيعي أن يكون القادم أسوأ.   

ويورد الأديب أبو منصور الثعالبي في رسائله هذه الأبيات:

 

زمــان عـزَّ فيـه الجـــود حتـى  كـأنّ الجــود في أعلـى البــروج
مضـى الأحـرار فانقرضـوا وبـادوا  وخلّفنـي الزمــان علـى علـــوج
وقالـوا قـد لزمـت البيـــت جـداً  فقلـت لِفقــد فائــدة الخـــروج

والشاعر هنا لا يقصد الجنود الأمريكان الذين كان محمد سعيد الصحّاف، وزير إعلام صدام، يصفهم بالعلوج مهدداً بذبحهم، وإنما يقصد أبناء زمانه هو، أي الزمن الجميل، أو الذي نظنه كذلك، قبل ألف سنة بالضبط أو أكثر، فالثعالبي صاحب الكتاب ينام في قبره منذ سنة 429 هجرية.  وقبل قرون طويلة أنشد أحدهم قائلاً:

 

ذهـب الناس وانقضت دولـة المجـد  فكـــل إلا القليــل كـــــلابُ
إن مـن لم يكـن على النـاس ذئبــاً  أكلتـه فـي ذا الزمـان الذئـــابُ

ولو كتب أحدهم اليوم قصيدة، لقال مثل ما قال الباكي على دولة المجد، فكل قوم يرثون زمانهم ويصفون ناسهم بالكلاب والذئاب، ويعتقدون أن من سبقوهم كانوا ملائكة يطيرون بأجنحة الصلاح والتقوى، بينما الحقيقة أن آخر الدهر شبهٌ بأولهِ، "ناسٌ كناسٍ وأيامٌ كأيامِ"، كما قيل.  

وجاء في "العقد الفريد" لابن عبد ربه، المتوفي في القرن الثالث الهجري ما نصّه: "عن هشام بن عُروة (حفيد الزبير بن العوّام) عن عائشة (أم المؤمنين) أنها قالت: رَحِمَ الله لُبيداً (شاعر جاهلي أدرك الإسلام) كان يقول:

 

ذَهـب الذيـن يُعــاش في أكنـافهـم  وبَقيـتُ في خَلَـفٍ كجِلــد الأجـرَبِ

فكيف لو أبصر زماننا هذا؟ قال عُروة: ونحن نقول: رَحِم الله عائشة، فكيف لو أدركت زماننا هذا؟" انتهى. 

وأنا أقول في القرن الرابع عشر الهجري: رَحِم الله أُمّنا عائشة ورضي الله عنها وأرضاها، ورَحِم الله عُروة وأباه وجده وابن عبد ربه معهم، فكيف لو أدركوا زماننا هذا؟  

وسيأتي بعد قرون من يكتب مثلما قالوا وقلت، وصدق بديع الزمان الهمذاني الذي قال: وما فسد الناس، ولكن اطّرد القياس، ولا أظلمت الأيام، ولكن امتد الظلام.. والذئب عوى ويعوي وسيعوي.


Share |
|
|
|
الذئب العجوز
13/8/2014 09:17 AM
تحياتي إلى قلمك عزيزي، لكن الماضي له نكهة جعلها الخالق عبر لمن يعتبر.. إلى اخر الزمان تعالى عواء الذئاب.
أحمد أميري
26/8/2009 5:39 PM
شكراً أختي عفراء وهذه ليست نظرة تشاؤمية، بالعكس، هذه دعوة لخلع جلاليب أعذار تردي النفس ومواجهة الحقيقة والمرض لمعالجته.
عفراء
22/8/2009 01:41 AM
ما هذه النظرة التشائمية الى المستقبل يا أخي أحمد ؟ هل تصدق فعلا أنه يوجد .. أو يمكن أن يوجد ما يلغي إنسانية الإنسان ودفء مشاعره وعلاقاته مع الآخرين ؟ أنا لا أصدق !! والحقيقة أن المعظم الذين يكتبون بالسوء عن زمانهم ومكانهم يكتبون على قناعة أن الكتابة الجاذبة والناجحة هي النقد والتذمر والمناحة. لا تصدق كل ما تقرء إمتناني
أحمد أميري
2/8/2009 1:46 PM
* شكراً أختي إيمان، وحكم الأوائل تملأ بطون الكتب، ويحتاج الأمر إلى القليل من البحث وتعب المرء على نفسه، ليعرف أن ما يفكر فيه هو قد فكر فيه الملايين من قبله. * تأكد أخي محمد بابا أن من سيأتون بعدنا سيترحمون علينا، كما نترحم نحن على أيام السبعينيات وما قبلها، والذين كانوا يترحمون على أيام الأربعينيات.. ولا جديد. * شكراً أخي نبيل علوش، وفي رأيي أن الدنيا لم تتغير، والناس لم يتغيروا، نحن نستنسخ ما فعله من كانوا قبلنا، لكن بمعايير عصرنا. * شكراً أخي محمد سيدي، وفعلاً قد يكون الخير كله فيما هو آت. * شكراً لضحكاتك أخي سعيد، وقد لا يكون هناك مذيع، لا أحد يدري، لكن الشكوى ستستمر في كل الأحوال. * صدقت أختي عائشة الشيخ في كومبنيشن الحياة. * ما تقوله أخي هزاع الحراكي صحيح، وهذا جزء من مشكلتنا، لكن البكاء على أطلال الزمن الغابر، حدث حتى في العصور التي كان فيها المسلمون أصحاب حضارة، بمعنى أنك سواء كنت متوفقاً أو متأخراً، فإن الماضي هو الأقرب إلى قلبك.
أحمد عبدالله الهاشمي
2/8/2009 1:28 PM
سؤالي هل سيريحك هذا الكلام؟ لا أنت ولا أنا ولا أحد ولكن لن نتوقف‏!‏ واليك موقف جحا : صعد جحا على المنبر يوم الجمعه وقال يا قوم اتعلمون ؟؟ قالوا : لا .. قال : وكيف اخاطب قوم لا يعلمون ؟؟ اقم الصلاة يا هذا ... وفي الجمعه الثانيه .. صعد وقال لهم : يا قوم اتعلمون ؟؟ قالوا : نعم نعلم .. قال : الحمد لله انكم تعلمون .. اقم الصلاة يا هذا .... فأحتج الناس على ما بدر من جحا واتفقوا ان ينقسموا الى قسمين .. قسم يعلم وقسم لا يعلم .. وجائت الجمعه وصعد جحا المنبر وقال : يا قوم اتعلمون ؟؟ فقال قسم نعم نعلم .. وقال قسم لا نعلم .. فهز رأسه وقال .. اذن .. فليعلم العالم منكم من لا يعلم .. اقم الصلاة يا هذا .. مساكين شباب اليوم وأنا معهم فما زلنا ننام وننتظر الغد وما يخبئه لنا ونقول عل وعسى وقد غناها الفنان نبيل شعيل فكلمة عل تكون أن يأتي الغد بما نتمناه وما نحلم به ولا نجده ولن نجده وان وجدناه سلبه غيرنا منا...هذه مشكلة وكلمة عسى هي في أن نرى البعيد قريب وان كان فعلا قريب فلا ندري ولا نجد من يهدينا لكي نصل اليه . نعم أعترف وأعتذر فمازلت الف وادور حول نفسي ولا أعرف كيف أهتدي لطريقي ولكن من المؤكد أن هنالك حلا. المعني‏:‏ ليس من الضروري أن يكون لكل شيء معني‏!‏ وهذه أغلب حياة الناس بلا معنى.
هزاع الحراكي
31/7/2009 7:09 PM
المشكلة لها منظور مختلف برأي الشخصي , فنحن , واعوذ بالله من كلمة نحن , لم نصنع شيئا من حاضرنا , من الساعة في معصمنا , الى سيارتنا , وسائل ترفيهنا , معاملنا , عندما لا نكون صناع الحاضر فليس لنا مهما استمتعا بالنتائج ان نشعر بالفخر والاعتزاز لاننا اصبحنا : مستهلكين نخب اول , لم نصنع شيئا من كل هذه الحضارة التي يدها ابائنا هجينة وانا اعذرهم تماما , لانهم لم يشاهدونا نصنعها , ولم يضعوا اي لبنة تساعدنا على ان نكون جزء من حضارة بتفاخر بها الغرب الاعلى والشرق الادنى , ونحن كعادتنا , في مقدمة جمهور المتفرجين , ربما هذا هو الجزء المهم الذي نفتقده جيلا بعد جيل وهو ما يعرف بالاغتراب , لان كل محتوى حياتنا , ببساطة , مستورد .
Aisha Al shaik
31/7/2009 6:32 PM
To be in the right time , I think it is a combination of living in the moment ,and the dream my regards
سعيد
31/7/2009 3:47 PM
كله ولا "ثم مقطع موسيقي للموال البحري الخليجي الشهير “هو يامال” مع صوت مروحة التهوية في الكمبيوتر، بدلاً من أصوات تلاطم الأمواج" ضحكتني هالجملة.. بس أعتقد مجرد اعتقاد إنه ما بيبقى شي اسمه مذيع على هيئة إنسان في السنوات اللي تخيلتها عن المستقبل القريب.. وأعتقد البديل عن المذيع أجهزة إلكترونية شبيهة بالكمبيوتر تحاور الضيف
محمد سيدي
30/7/2009 3:42 PM
جميل يا استاذ احمد بالفعل جبل افنسان على البكاء على الماضي والتحسر على مافات، متناسياً أن الخير كل الخير يمكن ان يكون فيما هو آت. تحياتي لقلمك المبدع
نبيل علوش
30/7/2009 2:36 PM
حين يسألني أحدهم : كيف الدنيا معك هذه الأيام؟ أجيبه أن الدنيا كانت و ما زالت منذ أن خلق الله الأكوان و لكن الناس تغيرت. قد يطول التعليق على تدوينتك و لكنك تبقى المتميز. دمت سالماً.
محمد بابا
30/7/2009 1:47 PM
هي هكذا الدنيا .. ولقد جاء على ألسنة المحدّثين : آباؤكم خيرٌ من أبنائكم إلى يوم القيامة .. وقال ربي : وخلَفَ من بعدهم خلْفٌ أضاعوا الصلوات واتّبعوا الشهوات فسيلقونَ غيّاً .. لكنّ العواء سيستمر كما ذكرت وسيستمر معه البكاء .. رحمنا إن أتى زمنٌ وترحّم علينا أحدٌ ,, تحياتي ..
إيمان أحمد
30/7/2009 1:09 PM
صدقت، حِكَمْ يا أحمد..
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01