search
إصدارات
ارتباطات
زبون الزنّوبة
9/8/2009

 



كنت أذهب إلى دكان أبي في سوق السبخة بديرة ورجلي فوق رأسي، فالذهاب قرار من أمي لقضاء فترة الصيف في الدكان وتعلّم شيء مفيد من السوق بدل التسكّع في الفريج مع أصدقاء السوء.. لكن لم أخرج من السوق إلا بفائدة واحدة. 

كان الزبون يدخل ويشم البضائع كأنه كلب جمركي، ويسأل العامل عن سعر هذا الحذاء الرياضي، ومكان صنع هذا الحذاء النسائي، وسعر ذلك النعال بالجملة. ومع كثرة الأسئلة يفرك العامل يديه ويُحضر الآلة الحاسبة، فالأرقام أكبر من أن يحسبها بالفهلوة، والزبون يتكلم مثل تجار البازار، ولابد أن صفقة كبيرة في الطريق، بينما أبي يجلس إلى كرسيه هادئاً ينظر إلى الخارج.   

أثناء ذلك يلمح الزبون نعال "زنوبة" أخضر اللون من ماركة الطير، فيحمله ويتحسسه ويطويه أكثر من مرة، ثم يلقيه أرضاً ويلبسه ويقف أمام المرآة وينظر إلى قدميه ثم يخطو بضع خطوات، وحين لا يبقى في قلبه مثقال ذرة من شك في نجاح الصفقة، ويتأكد أن في جيبه مبلغاً يكفي لإتمام المشروع، يرفع الزنوبة في وجه العامل ويقول: آخر كم؟ فيقول: أربعة دراهم، وبعد مفاصلة ومص دماء تصبح ثلاثة دراهم، فيقول بامتعاض: أريد زنوبة حمراء واحدة بمقاس كذا.  

يبحث العامل في الكرتون فلا يجد المطلوب، فيعرض عليه زنوبة مناسبة من ماركة أخرى، لكنه يصر على ماركة الطير. تأتي الزنوبة من المستودع فيفعل بها ما فعل في أختها، ثم يدفعها للعامل وهو يقول: كم سنة ضمان؟ ثم يلبسها ويطلب كيساً لزنوبته القديمة. ثم يقف أمام أبي ويبحث في جيوبه عن المبلغ الإجمالي، فيستخرج درهمين ونصف يضعها على الطاولة ويهم بالمغادرة، فيقول له العامل: أين الباقي؟ وبعد قيل، يستخرج نصف درهم وهو يقول: أنتم معاشر التجار تحبون المال حباً جما. 

وأستطيع أن أؤكد أن نصف هذه التفاصيل مبالغة مني، لكن النصف الآخر كان يحدث تماماً، فكثير من زبائن دكان أبي كانوا يمتصون دماء العمال ويفوّتون عليهم الاهتمام بالزبائن الحقيقيين الذين لا يكون الربح والفائدة إلا معهم، ورغم أن أبي لم يكن يتدخل إلا أنه بالطبع كان يحوقل في صدره، وأنا أراقب ما يجري كأنّ تحتي جمر ومخي يغلي في رأسي. وفي طريق العودة كنت أحاول أن أشعل الفتنة بين أبي وزبائنه، لكنه كان يهوّن الأمر ويعده من أخلاق السوق.  

وأحاول اليوم قدر الإمكان أن لا أكون زبوناً زنوبياً، فالحلاق ينتهي من لحيتي ولا يزال زميله واقفاً على شارب زبون زنوبي وهو يقول له: انتبه لهذه الشعرة، وإياك أن تلمس هذه، لأنها ذكرى من شخص عزيز. وتصل سيارتي إلى قسم التنشيف في محطة الغسيل، وبعد قليل انطلق بها بينما سيارة الزبون الزنوبي لا تزال في مكانها، وهو يصيح في العمال، طالباً منهم المسح عليها بعطف شديد كأنها هيكل ديناصور أثري. 

وفي المقهى، أطلب من جديد حتى لو امتلأ بطني، فليس من المعقول أن أحجز طاولة طويلة عريضة لعدة ساعات من أجل كوب شاي واحد، فكل شبر في المقهى يكلّف صاحبه مبلغاً من المال كرسوم حكومية وإيجار وكهرباء وأجور. وأي دكان أو محل أدخله، فإنني أضطر إلى شراء أي شيء حتى لو لم أكن مقتنعاً به، إذا صار بيني وبين العامل كلاماً وسؤالاً وجواباً و"هات وخذ".  
  
أفعل ذلك لأنني أتخيلهم أبي، وأعرف أنني لم أستفد من السوق إلا أن لا أكون متسوقاً زنوبياً، وهذا من أهم ما تعلمته في حياتي.

Share |
|
|
|
ام سهيل
23/9/2009 04:10 AM
والله اشتقت اني اشوف الغترة البيضاء والعقال والكندورة لابسنهن مواطن (حقيقي) يرعى حلاله في اي محل من المحلات المنثورة في انحاء المعمورة ...!! وكان ما للهندي والعامل اي قيمة تذكر غير انه يخدم الشيبة راعي المحل وزباينه .. ويتابع طلباتهم وهو مبتسم .. سواء علشان البقشيش او للارباب انه يرضى عليه .. عافانا الله على العلل اللي نشوفهم الحين .. الواحد من يدخل المحلات شوي وبيطرّ ان حد يعبره وكأننا كزباين نحن المحتاجين لهم مب هم .. ولا كأن في حد يطلب مساعدتهم في اي شي ..!! والسبب ان الارباب عاطنه الخيط والمخيط يسوي اللي يبغيه في حلاله .. سواء باع ولا ما باع .. هو شله .. في النهاية بيحصل الراتب باردة مبردة .. وياويل اذا كان بيناتهم سوء تفاهم على اي شي يطفش الزباين وكأنه يوزع عليهم ببلاش !!!!!!!!!!!! اما عن زباين الزنوبة .. يا حليلهم .. لا تلومونهم .. الرواتب مب ذاك الزود .. بس في النهاية مثل ما سمعناها وايد الزبون دايماً على حق.. حتى لو انه مد يده وبخفة يد الساحر وسرق .. واستوت قدام عيوني في الاسواق .. بس ما ينلامون .. على قولتهم الفرجة ببلاش .. والسرقة بعد ببلاش .. ما خف وزنه وغلا ثمنه .. والتاجر راعي الحلال يا غافلين لكم الله .. ما يدري شو اللي مستوي على حلاله ..!!! الله المستعان تحياتي اخوي احمد .. بس صدق .. يالسين ننفس عن الهموم اللي في دواخلنا مب قادرين نتكلم .. واذا تكلمنا بهالعشوائية قالوا عنا ميانين .. الحمد لله والشكر على النعمة
أحمد أميري
10/9/2009 12:56 AM
أخي عمر شكر الله، الأسواق فعلا تغيرت، وسوق مرشد بالذات، لأن أصحاب المحلات والتجار الفعليين تركوا التجارة ورحلوا عن دكاكينهم وتركوها بيد العمال والمستأجرين، الذين لا يهمهم من الزبون إلا جيبه، لكن التاجر الحقيقي يضع سمعة دكانه في المقام الأول.
عــمر شـكرالله
9/9/2009 4:06 PM
أخــوي أحمــد..و هل التاجر في وقتنــا نفـس التجار الزمـّـن؟ في وقتنا الحالي و كوني أســبوعيا أكـون في سـوق مرشــد.. للأســف التجار أصبحوا ماديــّين أكثر من زبــون الـزنّـوبة.. و الغــش الصفـة الملازمــة لهـم في وقتنا الحالـي.. شــكرا لقلمــك.
هند ابن كحيلة
29/8/2009 4:17 PM
لوللللللللللللللللللللل والله جتها نعم الزبون البشماقي هههههه أو بالاحرى الكليون البشماقي او الكلاكيتي لانهم ينطقون كلمة الزبون بالفرنسي le client وبتعريبها تصير الكليون ههههه او المشتري أسعدني ردك والله
أحمد أميري
26/8/2009 5:35 PM
هلا والله أختي هند، والله أيام لكنها للأسف فاتت، المهم ما تقولينه في بعض التجار صحيح، ويستحقون الضرب بالجزمة وليس بالزنوبة فقط، والمقالات والمصطلحات الواردة فيها حلال عليك، لكن كيف سيصبح المصطلح مغاربيا: الزبون البشماقي؟ مو حلوة.
هند ابن كحيلة
24/8/2009 6:51 PM
يا سلام عليك يا أستاذ أحمد على أخلاقك التسوقية صدقني أنا أفكر دوماً في الأشخاص الذين يقربون لي صورة أبي فأتعاطف معهم رغم أن أبي ليس بتاجر ويا ليته كان :) ولكن صدقني بعض التجار ينبغي أن تكون معهم زبون زنوبي لأنهم يحاولون مراوغتك بشتى الوسائل خاصة تجار آخر زمن، البعض منهم لا يأبهوا بنا أصلا ولو اشتريت منهم المحل بأكمله .. شكرا جزيلا أستاذ أحمد ويا عيني على مصطلحاتك الجميلةالتي صرت أستعملها في حياتي اليومية وقد دخل مصطلح التاجر الزنوبي الى حياتي بفضلك ولكنني استميحك عذرا بأن أغيره قليلا تماشيا مع ثقافتي المغاربية لأننا لا نستخدم مصطلح زنوبة بل نقول عنها "كلاكيت" Claquette أو بشماق أو شعشبونة :)
أحمد أميري
21/8/2009 8:29 PM
* قليل من التفاؤل يا أيها الهاشمي، وللأسف لم أكن ألبس نعال الزنوبة، لأنني كنت أتمرغ في دكان مليئ بالنعالات والأحذية، وبين الحين والآخر ألبس نعالاً جديداً. * الحمد لله أخوي عبدالرحمن حماد على عدم الزنوبية، فهذا دليل على نقاوة أحاسيسك، وحتى لو كنت مغفلاً، فإن المفغل أفضل من المستغفل، كما أن المظلوم خير من الظالم والمقتول خير من القاتل. * لا نيالوا ولا هم يحزنون أخي نبيل، لأنني أصلاً لا أدخل المحلات إلا إذا كانت الرغبة شديدة وملحة، فإذا دخلت فلا حول ولا قوة إلا بالله.
nabil.alloush
16/8/2009 03:23 AM
نيالوا الموظف اللي بتدخل لعندوا , بيجيب التارجت من زبون واحد :) دمت سالماً.
عبدالرحمن حماد
12/8/2009 12:46 AM
الحمدلله اني من استويت مش زنوبي وصدقا يا استاذ احمد من استويت احس في اصحاب المحلات واحاول ارحمهم .. من دون لا اصير مغفل طبعا
أحمد عبدالله الهاشمي
11/8/2009 2:55 PM
ما هو الجواب...... منذ ثمانية أيام تغيرت وقل يا أخي أحمد أميري قمت بعمل شقلبه لوضعي نعم قرر أن أنضم الى الطغاه وأبدأ بظلم نفسي وأقهرها وانتهي الى الخلاص من نفسي بنفسي باستخدام يدي. فلم ولن يوجد من يحل همومنا ويبدد مخاوفنا بل لا يوجد أمل وان وجد لن ينجز انه السراب. من يوجد لديه الشعور العميق بالالتزام حتى وان كان في بيته ويفعل المستحيل . لقد بتنا على باب قريب من الفوضى والتربك الفكري والعقلي والبدني والمالي والاجتماعي والجنسي و أين الان من ينقذنا من هذا!!!! قلي يا أستاذ أحمد أميري ‏؟ هل نحن فعلا مهمومون ومهتمون ولسنا متهمون ...أين التزامنا أولا نعالك ثانيا كندورتك ثالثا ساعتك ورابعا وخامسا وسادسا وانتهاء بسيارتك ولا يهم كيف حصلت عليها هذا هو تقيمننا للانسان وشخصيته من مظهره . أنا متأكد يا أحمد أميري أنك كنت ممن يلبس الزنوبه ويتفنن في اختيار الالوان وكثيرون هم من يثمنوك من نوع نعالك ويعرف نوعيته ليقول لك من أنت ومهما كنت اذا ما لبست الزنوبه فأنت نكره أو الاصح شخص شكلك يفشل .. هل هو نوع من الجنون القبلي وربما الاجتماعي الذي يجعل الانسان حيوانا والسبب فقط لان غترته صفراء ونعاله اي شي او مو شي او لان ابوك فقير أو لا تبدو وسيما وليس لديك من المال الا درهما اذا اشتريت ساندويش لم تسطع روي ظمأك فاما العصير او السندويش معادله صعبة الحل... لا طعم لهكذا حياة حياة اليوم فلا تجد من يبحث عن الجوهر ويتطلع الى الهدف ولكن هل نحن فعلا هكذا؟ هل ما زال هذا تفكيرنا!!
أحمد أميري
9/8/2009 10:37 PM
* مشكورة أختي لطيفة وفعلاً كنا نحنا من زئابن الدكان من قوم "بلاش". * مشكور أخي أحمد عمر وليتنا كنا نريد أجود بضاعة بأبخس ثمن، وإنما لا نخرج من المحل إلا بعد تعذيب أصحابه لأنهم في نظرنا يشترون البضاعة ويبيعونها بفائدة، وهناك كل يوم شكاوى على التجار، كأن المطلوب أن يحولوا محلاتهم إلى جمعيات خيرية. * مشكورة أختي عائشة الشيخ، وشكراً لكلامك عن والدي، وهما كما وصفتيهما بالضبط. * مشكور أخي محمد بابا، وكم في الآثار من حكم ودرر، لكن أين من يلتقطون تلك الجواهر؟
محمد بابا
9/8/2009 9:26 PM
لذلك جاء في الأثر رحم االه من باع سمحا واشترى سمحا .. تحياتي
عائشة الشيخ
9/8/2009 3:06 PM
رائع أخي أحمد ما تعلمته .. والأروع تلك السيدة الصارمة وذلك الرجل الصبور الذين ربياك . تحية لك ولهما .
أحمد عمر
9/8/2009 2:28 PM
السلام عليكم استاذ احمد جميل جدا ما كتبت فعلا الزبائن الزنوبيون كثيرون في مجتمعاتنا و اغلبنا منهم للاسف فنحن نريد اجود بضاعة بابخس الاثمان
لطيفة الحاج
9/8/2009 1:28 PM
يزاك الله خير استاذ يوم تحس بالعمال والتجار، تعرف لوهلة غبطتك لان ابوك كان عنده محل نعول، يا سلام لو ابويه عنده محل نعول كنت انا بستوي كل الزباين =) اطيب تحية ..
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01