search
إصدارات
ارتباطات
إنسان بين مليون حيوان
19/8/2009

 

تقول لأحدهم: كيف الحال يا حيوان؟ فيأتي الجواب لطمة على الوجه، كأنّك شتمته. لكنه في الوقت نفسه معذور في مواجهته الكلمة باللكمة، لأن الغرور من طبع الكائن البشري، وهو لا يعرف نفسه، وحتى لو عرفها، فإننا مادمنا كبشر لم نتفق على أن كلمة "حيوان" لا شيء فيها، فإن الكلمة ستبقى في خانة الشتائم التي يعاقب عليها القانون وقبضات اليد.  

يروى أن رجلاً سبّ آخر بأن قال له: خرا في شكلك. رُفع الأمر إلى القضاء، ووقف محامي المتهم قائلاً: إنني ألتمس من عدالكتم أن تأتوني بآدمي واحد ليس في جوفه خِراءٌ يمشي به. بُهت القاضي بهذا الدفاع القوي وأصدر حكمه سريعاً: حكمت المحكمة ببراءة المتهم وخرا في شكل المحامي.. فرغم أن كلام المحامي سليم منطقياً إلا أنه كان جديراً بالسب؛ فالبشر لم يتفقوا فيما بينهم على جواز التخاطب بذلك الأسلوب الرفيع، والأمر نفسه بشأن كلمة "يا حيوان.   

لكن على البشر أن يتخلّصوا من الأنا البشرية ويقرّوا بالأنا الحيوانية، فحتى مع عدم وجود دليل قاطع على حيوانية الإنسان، فإن القرائن أكثر من أن تُحصى. منها أن الإنسان عند أهل المنطق، وبلا فخر، حيوان ناطق. وعند أفلاطون أن النفس البشرية مركّبة من قوة غضبية ويرمز لها بالكلب، وقوة شهوانية ويرمز لها بالخنزير، وقوة ناطقة وعاقلة ويرمز لها بالمَلَك، والقوة التي تكون غالبة على الإنسان، تكون هي نفسه، فهو إما خنزير وإما كلب وإما إنسان ربّاني.. وأين هم الربّانيون بالله عليك يا مولاي أفلاطون؟  

وربما يقنع بعض البشر بأن يكونوا كلاباً، لكن هيهات، رضينا بالكلاب ولم ترضَ بنا، فعند الحسن البصري أن في الكلب عشر خصال محمودة ينبغي أن تكون في المؤمن، الأولى أنه لا يزال خائفاً؛ وذلك لعلّه من دأب الصالحين. الثانية أنه ليس له مكان يُعرف؛ وذلك من علامات المتوكلين. الثالثة أنه لا ينام من الليل إلا قليلاً؛ وذلك من صفات المحسنين. الرابعة أنه إذا مات لا يكون له ميراث؛ وذلك من أخلاق الزاهدين. والخامسة أنه لا يترك صاحبه ولو جفاه وضربه؛ وذلك من صفات المريدين.  

وأكتفي بنصف الخصال المطلوبة، فمن وجدها في نفسه، يمكنه أن يبحث في بطون الكتب عن الباقيات، ومن لم يجد شيئاً منها فيه، فليواصل القراءة وهو ينوح على نفسه الحيوانية، مع ملاحظة أن الحسن يقول: "ينبغي أن تكون في المؤمن"، فحتى من جمع المجد الكلبي من أطرافه؛ فإنه سيصبح عند ذاك مساوياً للكلاب، وبينه وبين أن يصل إلى مقام الإنسان ألف مليون سنة ضوئية.  

وإذا كان الحسن يرسم الطريق للآدمي ليصبح من أهل النباح ولَحْس العظام، فإن العلامة أبو بكر بن المرزبان يقطع الطريق أصلاً، ويكفي أنه وضع كتاباً بعنوان "فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب"، يعني نحن، يقول فيه مثلاً: إن الناس في هذا الزمان خنازير، فإذا رأيتم كلباً فتمسكوا به فإنه خير من أناس هذا الزمان، قال الشاعر:  

اشدد يديك بكلبٍ إن ظفـرت به   فأكثر الناس قد صاروا خنازيـرا

وبالطبع فإن "خنزة" أكثر الناس لم تكن نبوءة من الشاعر بمرض أنفلونزا الخنازير وانتشاره بينهم في القرن الواحد والعشرين، وإنما قصد طباعهم وأخلاقهم المماثلة لذلك الحيوان. 

وربما يكون هذا مبالغة، وكلام جمعه ابن المرزبان في ثورة غضب على آدميي ذلك الزمان، لكن ماذا عسانا أن نفعل مع أمثالنا التي تقول عنا إننا أعقُّ من ضب، وأشد عداوة من عقرب؟  

ويعتقد زهير في معلقته أن من لا يُصانع ولا يُداري ولا "يمشّي" في أمور كثيرة، يضرّسه الناس ويمزقونه بأنيابهم ويطؤونه بأقدامهم. والمتنبي يقول: "إنما أنفسُ الأنيس سباعٌ". وأثبت البشر أن نفوسهم ليست هي السبعية فقط، بل هم سباع قلباً وقالباً، فهناك آكلو لحوم البشر الذين اشتهروا على مرّ التاريخ بأنهم يأكلون لحوم بني جنسهم أثناء المجاعات وكيداً بالأعداء وتأثراً بالمعتقدات الخاطئة أو كسلوك إجرامي. 

وقالوا قديماً: الناسُ ثلاثة: ناسٌ ونَسْناسٌ وناسٌ غُمِسوا في ماء الناس. أي ثلث بشر، وثلث أشباه بشر، وثلث دواب من الوحوش على شكل الإنسان، بعين واحدة ورجل ويد تتكلم مثل الإنسان، كما في معاجم اللغة. وقال سلمان الفارسي: الناس أصناف أربعة: أسد وذئب وثعلب وضأن، فأما الأسد فالملوك يأكلون الناس أكلاً، والذئب التجار يختلسون، والثعلب القرّاء (الفقهاء) المخادعون، وأما الضأن فالمؤمن ينتهشه كل من رآه.  

ولا يمكن للمدافعين عن إنسانية البشر الاحتجاج بتكريم الله لبني آدم، فكرامة البشر مشروطة بأن تكون أفعالهم كريمة، لكن الواضح من حروب الآدميين وإجرامهم أن كرامتهم موضع شك. ولا يمكن أيضاً إيراد شواهد من عظماء البشر لنفي حيوانية الإنسان عموماً، لأن العظماء قلة قليلة جداً بين البشر، وهم في حكم النادر والغريب، والأحكام تُبنى على الغالب والكثير. علماً بأن أكثر العظماء من البشر ذُبحوا مثل الأضاحي أو عُذّبوا أو أهينوا على أيدي من يسمّون أنفسهم بشراً.  

وقد يكون المخرج الوحيد من هذه الإشكالية هو الإقرار بإنسانية واحد في كل مليون إنسان حيوان، وهو ما لمّح إليه أحدهم رأى من ناسه القرون الطويلة والأذناب الغليظة، فقال:  

لا تصلـح الدنيـا ولا تستوي   إلا بكـم يـا بقــر العالـم
مـن قـال للحـرث خُلقتـم فلم   يكـذب عليكـم، لا ولم يأثم
مـا أنتـم عــارٌ علــى آدم   لأنكـم غيــــر بنـي آدم

ومع هذا، فإن هذه القضية خاسرة مهما كانت قوة الحجج، لأن الخصم والحكم واحد، ومن سلّم للحجج الواردة أعلاه، فهو يعترف ببساطة أنه حيوان.


Share |
|
|
|
عبد الرحمان سيدي العبدلي
17/11/2009 9:10 PM
بإمكان أشقائنا المصريين توقيف هذه الفتنة التي أشعلتها فئة خونة للأمة وعمالة لإسرائيل . إن إخواننا المصريين كان لهم مكانة خاصة بين الجزائريين حيث منذ إستقلال بلدنا الحبيب وهم بيننا معززين مكرمين والغريب وما أفزعنا هو ما قاموا به قبل وأثناء وبعد هذه المقابلة إن فريقنا الوطني إنتقل إلى زمبيا التي لا تربطنا بهم لا قرابة وعروبة ولادين ورغم فوزنا عليهم في عقر ديارهم لم نرى منهم إلا الخير والترحاب . إن الكرة في مرمى المصريين لأنهم بإمكانهم الإعتذار رسميا على الحادث الذي وقع للاعبي فريقنا الوطني وهنا ينتهي كل شيئ لأنهم يعلمون ويدركون جيدا أن ما وقع لأنصارنا وفريقنا حقيقة مرة ولايمكن التغاضي عنها وليس بسيناريو كما روج له . عار عليكم لأنا كنا وأأكد على كنا في الماضي القريب نكن لكم إلا الخير و المحبة لأن الشعب الجزائري شعب طيب و بطل ولا يتنكر للجميل ، الشيئ الذي جعل هذا الشعب منذ الإستقلال يحب شعب مصر وليس عكس ذلك . إلا أن ماوقع جعل هذا الشعب الطيب يراجع حساباته مع المصريين بصفة عامة وسوف تكون المعاملة بالمثل . وأطلب بصفتي جزائري حر من السيد فخامة رئيس الجمهورية : 01- قطع جميع العلاقات رسميا مع دولة مصر لسبب تواطئها الرسمي في هذه القضية . 02- طرد السفير المصري وغلق سفارتنا بمصر . 03- إنهاء جميع الإستثمارات المصرية بالجزائر وعلى رأسها توقيف نشاط مؤسسة ) DJEZZY ( وكمـا يقـول المثـل الجزائـري : * اللـي باعنـا بالفـول نبيعـوه بقشـوره
أحمد عبدالله الهاشمي
18/9/2009 9:46 PM
لا يهم احترام وتقدير العالم لاي انسان اذا احس يوما ما انه فعلا حيوان ولكن كان يهمني موضوع حيوان اقصد انسان وهو صديق لي ومن نفس حالتي طرطور ولد فقر ودايما حظه عاثر حيث أن الظلم الذي وقع عليه قديم ولايزال يذكر كلام والده عن جده حيث انه عمل في الغوص وفي تلك الرحلة المشؤمة مرض جده فاضطر النوخذه وهو من عائلة( )لاتخاذ القرار بالقاء جده المريض في البحر لا الوم جده ولا والده اليتيم ولا حتى النوخذه فمهما حدث فمصيرنا جميعا الموت. ولكن لومي على هذا الحيوان الذي اعتقد ان والده هو الوحيد الذي تناولته اسماك الخليج على الغداء او العشاء بل جل احفاد النوخذه اعداء له ومازال ينقل تلك الواقعه للجيل الرابع من بعد جده . اقترحت عليه ان نعقد جلسة مفاوضات مع ابناء النوخذه ولربما استطيع ان اطبع العلاقات بينهم ونصل لاتفاقية سلام ولكن في نظر هذا الحيوان مشكلته اعقد من مشكلة الشرق الاوسط وابناء النوخذه يرفضون مصافحة ايدينا القذره فلقد توارثنا عرق اليدين من اجدادنا . ليس سرا ان تجد العديد من الحيوانات ولا يهم فاللغة التي يتحدث بها كل البشر هي لغة القوة والقوة موجوده في المال والله العظيم يا أحمد أميري هذا ليس رأي في نعت صديقي بالحيوان واذكرك بأن الجاحظ الف كتاب الحيوان بعد ان تيقن ان الانسان ابشع من الحيوان فلذك كان كتابه الاكثر مبيعافي زمانه ولكن حسب قوله اصحاب الايادي القذره في نظر البعض هم الحيوانات وتيقنت ان هذا رأي العديد من الناس والدول ..... انصحك بكتاب كليله ودمنه لتتعرف على من هو الحيوان أحمد أميري عيدك مبارك واجازه سعيده
أحمد أميري
26/8/2009 5:24 PM
* أختي عفراء وبعد التحية، أرجو تحويل الاقتراح إلى مهرجان دبي السينمائي.. بخصوص التخفيف من القسوة الناطقة الكتابية والقوة الغضبية، فللأسف لا أستطيع حالياً، لوجود المسببات الخارجية ووجود البقايا الحيوانية الداخلية. * شكراً أخي نبيل علوش ورمضان مبارك.
Nabil Alloush
22/8/2009 10:00 PM
Some, and only some people like to be back to what they are. whoever; that it the life. Ramadan Mubarak.
عفراء
22/8/2009 01:22 AM
أخي أحمد .. يبدو الكثير منا يعاني من المخنزرين والمخنزرات هذه الأيام. ما رأيك أن نسبق الغرب هذه المرة ونستغل الفكرة الجديدةونعمل فلم عن عرق المخنزرين وتهديدهم للعرق البشري " البيور " مثل أفلام المستئذبين ومستكلبين ، نعمل فلم المخنـ .. أو متخنزرين ! وحتما سوف ينال شهرة عظيمة . شدتني المقالة المدهشة التي وجدتها ها هنا . ولكن أخبرني ألا تفكر بالتخفيف قليلا من قسوتك الناطقةالكتابية، وقوتك الغضبية ؟ وقفة تقدبر
أحمد أميري
21/8/2009 8:22 PM
* شكراً لتواصلك أخي محمد بابا، وصدق الشناقطة وهم أهل دين ولغة وشعر، وتعليقك زاد من المقال قوة، فشكراً ثانية وكل عام وأنت بخير. * شكراً لك أخي فيصل أبو كويك، والظاهر أن حماستك للبيت الشعري سببه ما تعانيه من خنازير هذا الزمان أبعدهم الله عنا إن كانوا قريبين منا، وسلخهم عنا إن كانوا منا. * شكراً لك أختي مريم سعيد لكن كما يقولون: لو خليت لخربت. * شكراً لك أختي عائشة الشيخ والحيوان كان إلى ما قبل الثورة الصناعية وثورة التكنولوجيا الحديثة هو السيارة والبريد والجرار الزراعي وربما الكمبيوتر. * شكراً لك أخي د. محمد أبو ستيتي ولم أكن حيادياً بالمطلق، فأنا في النهاية إنسان أميل إلى "ربعي" ضد الحيوان المسكين، وفعلاً الكلب أكثر حيوان يضرب به المثل في سوء أخلاق الإنسان، برغم خصاله العشر الرائعة.
محمد بوستيتي
21/8/2009 01:46 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته جميل الموضوع فيه ما فيه من الشرح والمنطق والتوضيح لقد كنت حياديا وتجيب على القارىء اي تساؤل قد يطرحه فورا مقال عبقري من انسان متميز . لكن يحضرني في هاللحظة اساءة الكثير من الناس للكلب رغم صفاته وخصاله الجميلة فقد جرت العادة ان تذكر الكثير من الحكم والامثال على الكلاب وهنا اذكر مثل بحريني كنت دوما اردده (( كلاب ميدعه ثياب)) اي كلاب لابسة ثياب لكن صدقا بعد ما قريت هالموضوع اصبحت اكن احتراما اكثر للكلاب وياليت الناس تعتبر اشكرك مرة اخرى واتمنالك التوفيق ومن ابداع لاخر اخوك د.م.محمد بوستيتي
الشيخ عائشة
20/8/2009 9:02 PM
أسعد الله يومك أخي أحمد .. وكفاك شر الحيوانات وأشباهها في هذا الزمان .
الشيخ عائشة
20/8/2009 8:51 PM
جاء الإنسان إلى الأرض ليجد الحيوان هو الكائن الوحيد المرئي الذي يشاركه الحياة فيها ! فاتخذه كل شيء تقريبا ، قوتا ومأوى ومركبا وحارسا وصائدا وأنيسا ، ومن من اتخذه إلها الحيوان هو الكائن الوحيد المرئي الذي يشاركنا الحياة على هذا الكوكب !
فيصل أبوكويك
20/8/2009 1:38 PM
مدري ايش رجعني لموضوعك مرة ثانية يمكن عشان هذا البيت (اشدد يديك بكلبٍ إن ظفـرت به فأكثر الناس قد صاروا خنازيـرا )
مريم سعيد
20/8/2009 11:43 AM
صدقت أخوي أحمد فالإنسان عندما تقوده نفسه الأماره بالسوء ويتبع هواه فهو حيوان على شكل إنسان بل الحيوان أفضل منه وما أكثر الحيوانات البشرية في عصرنا. جزاك الله خير.
فيصل أبوكويك
19/8/2009 11:47 PM
(كلب صديق خير من صديق كلب )- ايضا هذا البيت جميل (اشدد يديك بكلبٍ إن ظفـرت به فأكثر الناس قد صاروا خنازيـرا )
محمد بابا
19/8/2009 10:23 PM
قول الله "ولقد كرّمنا بني آدم" قد يدلّ على أنهم في الأصل وقبل تكريم اللهم ليسو مكرّمين وهذا المنحى هو ما جاءَ في آية أخرى "أولئك كالأنعام بل هم أضل" ولم يأنف الله عن ضرب الأمثال للناس بالحيونات والمخلوقات "إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلمّا بععوضة فما فوقها" وقال عن عديم الفائدة "كالكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث" وشبّه بعضا من اليهود بقوله "كمثل الحمار يحمل أسفاراً" والجميع يعلم أنه جعل منهم "القردة والخنازير وعبَدَ الطاغوت" .. ولعلّي أقول هنا بأنذ الحيوانيّة هي الأصل إذْ كان لفظ الحيوان معناه سريان الحياة في الجسد ولكنّ الأعراف كما تفضّلتَ أصبحت محكّمة .. وأخيراً يقول تعالى "إن الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون" .. وجماعتنا الشناقطة يُطلقون على ممتلكات الإنسان وثروته حتى ولو كانت ذهباً وعقاراتٍ "حيوانه" بمعنى ثرواتُه.. أعجبني طرحك وموضوعك وإبداعك وفكرتك لذلك سمَحْتُ لنفسي بمزيدٍ فضولٍ فاعذرني .. كل التحية وكل عام وأنت بخير ..
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01