search
إصدارات
ارتباطات
من يعرف "أبو حصان"؟
10/9/2009

 

سيعرف أحفادنا عن أجدادنا، لكنهم لن يعرفوا عنا، فكل ما هو متعلّق بجيل ما قبل النفط، وتحديداً أجواء خمسينيات القرن الماضي وما قبلها، نعرف ملامحه ونشعر به من خلال المسلسلات والبرامج والمتاحف والكتب التي أرّخت لتلك الفترة. ويكفي أن تتابع بعض مسلسلات رمضان لتعود إلى مرحلة ما قبل النفط بتفاصيلها الصغيرة. 

نعرف كيف كانوا يعيشون ويأكلون ويتكلمون ويتعلمون ويتزوجون، وملابسهم وزينتهم وأثاث بيوتهم وأدوات صيدهم وقنصهم واستخراجهم اللؤلؤ وتجارتهم، وأنا أعرف لون السروال الذي كان يرتديه جدي. 

لكن سيأتي على الدنيا يوم نكون فيه نحن جزءاً من تاريخ الناس، ففي سنة 2050 مثلاً، ربما لن يكون أحد منا على وجه الأرض وإنما تحت الثرى، وهناك بشر يهمهم أن يعرفوا تفاصيل حياة من مضوا، أي نحن: كيف كانت طفولتنا، وكيف كبرنا، وماذا تعلمنا، وأين ومتى وكيف ولماذا؟ 

هناك فترة ضائعة أو ستضيع مع الأيام، وهي تقريباً الفترة من عام 1950 إلى عام 2000. نصف قرن ضائع، كنا مشغولين فيه بالتأريخ لمن كانوا قبلنا، ولا بد أن من سيأتون بعدنا، سيؤرّخون لنا، لكنهم لن يجدوا شيئاً، لأننا لم نحفظ لهم ما طواه الزمن وداسته الحضارة وضاع مع التقدم التكنولوجي السريع.  

ربما يخطر بالبال أن أيامنا اليوم لا تختلف كثيراً عن أيام ما قبل الألفية ولن تختلف في شيء بعد خمسين سنة، لأننا وصلنا الذروة وأصبحت الدنيا "Game Over" وانتهت لعبة التطور والتحديث. لكن كل يوم هناك شيء جديد يقوم على أنقاض آخر قديم، في كلامنا، وملابسنا، وعلاقاتنا، ومدننا، وأكلاتنا، وأسعارنا، وأدواتنا، وسوالفنا، وبيوتنا، وسياراتنا.. ولا أحد يعلم ماذا سيبقى من أوجه حياتنا الحالية بعد التوسّع في علم "النانو".  

من سيعرف بعد 50 سنة شيئاً عن كمبيوتر "صخر"، ومكيف "أبو حصان"، وسيارة "GT" آسرة قلوب شباب تلك الأيام، ومن قضوا نحبهم على شارع دبي- العين حين كان بمسرب واحد، والبائع الذي كان يعد مطعماً متحركاً يضع على رأسه كرتون به سمبوسة يصنع من سندوتشات لذيذة، والملاعب الترابية التي كانت تقام في الأحياء الشعبية، وملاحقة سيارة تعقيم الأحياء الشعبية التي كانت تطلق الدخان الأبيض، وقطف ثمار بعض الأشجار كشجرة اللوز بواسطة قذف الثمار الحمراء والخضراء بالنعال.  

وإذا جاء يوم وكانت مدننا مرتعاً للقطارات السريعة، فمن سيخطر بباله أننا اليوم نعاني من الازدحام الخانق في شوارعنا، ومن سيتذكر كيف نسينا إغلاق أفواهنا في اليوم الأول من دخولنا عالم الإنترنت، وطريقة الدروس في مدارسنا وجامعاتنا، وبيئات عملنا ومكاتبنا، ووجهتنا السياحية المفضّلة. ومن سيتذكر الطريق إلى بيت الله الذي يستغرق الآن نصف نهار حين يكون على ظهر كل واحد من أبناء أحفادنا صاروخ يحمله إلى أي مكان في العالم في دقائق.    

هذه التفاصيل وغيرها معرّضة للاندثار والضياع، ربما لأننا نزهد فيها الآن ونعدها أشياء غير مهمة لأننا عاصرناها وكانت جزءاً من حياتنا ويومياتنا، لكن كما نهتم نحن الآن بمن مضوا، فيفترض أن من سيأتون بعدنا سيعنيهم أمرنا، لذلك لا بد للمهتمين بالتاريخ والتراث والفن والثقافة أن يبدؤوا في جمع وتوثيق تفاصيل حياتنا، لتكون متوافرة بين يدي الأجيال القادمة.

Share |
|
|
|
أحمد أميري
5/10/2009 7:19 PM
أخي الهاشمي: رسالتك وصلت إلى الأستاذ عبدالعزيز المسلم وهي في عهدته.. وقد تحدثت معه في هذا الموضوع فقال إن الحساسيات الموجودة تمنع إصدار دراسات تتناول الأشخاص الإيجابيين، فما بالك بغيرهم؟ تجاهل يا أيها الهاشمي الموضوع إلى أن تكون لدينا حرية حقيقية.
أحمد عبدالله الهاشمي
24/9/2009 10:53 AM
السيد المحترم عبدالعزيز المسلم يجب أن نفعل شيئا ولابد أن أنبهك لشيء مهم لقد رجوت الاستاذ أحمد أميري قبل عامين أن يشاركني في تدوين وكتابة تاريخ الشارقة وقد وفرت التمويل المالي كاملا وكان المشروع عباره عن جزئين تاريخ الشارقة القديم وتاريخ الشارقة الحديث. وللاسف كان أحمد أميري اكثر صدقا معي (مشكلته لا يعرف المجاملة) حيث شجعني وفي نفس الوقت ذرف علي بعض الدموع ليقينه من فشل المشروع أقصد فشلي أنا وانسحب هو . فشلنا في تدوين تاريخنا يعود الى أن الغالبية تعتقد أنه نوع من الشماته واساءة السمعه وأنك تريد أن تطبق عليهم المثل المصري الي مايشتري يتفرج. والحق أن تاريخنا يستحق التدوين والحفظ ومن أساء في الماضي فقد أخذ ما يستحقه وزياده شويه . نعم هنالك العديد من الفاشلين الصائعين النصابين المجرمين المتسكعين يجب ذكرهم في التاريخ وذلك اذا ما اردنا التاريخ يجب ذكر كل اسماء هؤلاء بجانب اسماء الناجحين المخلصين الفاعلين المحبين لتراب وطنهم والمخلصين في عملهم وبما أنه اختيار مني فكان لابد أن أتحمل ويلات هذا العمل المضني وهذا يعنينا جدا . ‏فالتاريخ لن يجامل أحدا على حساب الاخر والبداية من فريج صغير وبدأنا التشعب في أرض الشارقة نعم مشروع مخيف ومخيف جدا لانه مختلف سيفتح أكثر من باب ولكنه ليس نوع من الانتقام وانما طريق الى قلوب الناس وذلك لكي لا نبدد ما كسبناه في الماضي ونضيعه حاليا وفي المقابل سيجد من يفهم طبيعه هذا المشروع الرضا في نفسه والكرامه والاحترام. نعم أنا حر فيما أختار ومهما شرحت وحاولت وناقشت وبدلت فانني أكتشفت أن كلام أحمد أميري كان هو الصواب فكان خوفه على فشل المشروع أكثر من خوفه على فشلي أنا.
أحمد أميري
22/9/2009 01:49 AM
أصدقج يا أختي أم سهيل، والله أصدقج، لأني مرات يوم أتذكر طفولتي ومراهقتي وألعابي وطريقة حياتي وتفاصيل يومياتي، تنزل من عيني دمعة حزن على فراق أيام لن تعود..
أم سهيل
21/9/2009 07:14 AM
تصدق اخوي احمد ان دمغتي طاحت وأنا اقرأ واتذكر كل تفاصيل حياتنا ونشأتنا على صخر وعلى الأتاري وكان قبل الأتاري الأسود جهاز لونه أبيض أتذكر منه كمن لعبة وكان جهاز التحكم ماله مثل الفارة تدور يمين ويسار كنا نستانس ونفرح للألعاب اللي نشويها بأيدينا واللي تتطلب منا مجود ذهني وإلا نخترع الألعاب العشوائية مانعرف كيف كنا نطلع الافكار هذا من غير الألعاب الشعبية الكثيرة واللي نسيناها في هالألفية اللي ابعدتنا من كل شي يربطنا بماضينا الجميل تذكرت أمور كثيرة مرت كأنها شريط يمر قدام عيوني لقيته بين حروف كلماتك .. طالبنا وايد في الجرائد بالنسية لبعض المباني في العاصمة على سبيل المثال لا الحصر (السوق القديم) ليش يهدونه؟ والله انه كان يعني لنا مب مجرد سوق كثر ما هو سعادة أكثر من المراكز التجارية اللي الواحد يدخلها يضيق صدره بسبة المناظر اللي نشوفها وكأننا في دولة أوروبية افتقدنا الهوية للأسف فيها هذا من وجهة نظري الشخصية .. يعطيك العافية اخوي احمد .. ومسامحتنك على الدمعة
أحمد أميري
13/9/2009 4:27 PM
• شكراً أختي عائشة الشيخ وكلامك عن هذا الموضوع من الناحية المعمارية صحيح ألف مليون بالمئة، وفعلاً يعتقد بعض الناس من الوافدين أو من الأجيال الجديدة أننا انتقلنا من الجص والحصى وربما العريش إلى الفلل المكيفة، والضياع لم يلحق فقط بالبيوت التي كانت في "النص"، بل في كل أوجه حياة ذلك الزمن. • شكراً أخي عبدالرحمن حماد لكننا نحن كتّاب ولا نعرف شيئاً غير الكتابة، والأمر يحتاج إلى تصوير وتأريخ وحفظ وتوثيق وإخراج أفلام وغيرها. • مرحب أخوي بوخليل وأنا قاعد أتكلم عن صخر وألحينه شكله مب في بالي أصلاً، ويبالنا نطالب الجهات المسؤولة بإنشاء متحف لهذي الفترة وكل واحد يتبرع بالأشياء اللي عنده بدل ما يعقها في الدرام. • شكراً أخي محمد بابا وأنا لا أعرف ماذا تقول أو عن ماذا تتكلم، فقد استعملت الكمبيوتر حين كان جاهزاً وعلى "سنقة عشرة" ولا أعرف عن معاناة من سبقوني شيئاً، وهذا يؤكد كلامي بأن حياتنا معرضة للاندثار والضياع، وكل جيل يأتي لا يعلم عن سابقه. • كل الشكر أستاذ عبدالعزيز المسلم على المشاركة والتواصل والكلمات الجميلة والشهادة التي أعتز بها من كاتب وباحث ومبدع مثلك. وأرجو، بصفتك مسؤولاً في الحقل التراثي، الاهتمام بعصر ما بعد النفط وما بعد الكمبيوتر، فالحياة ليست كلها "فنرات" والتاريخ لم يتوقف عند سفن الغوص.
عبدالعزيز المسلم
13/9/2009 2:59 PM
أخي أحمد أبارك لك هذه الرشاقة الجميلة في كتاباتك المختارة والتي أعتبرها موردا مهما من موارد تدوين الذاكرة الشعبية كما أحب أن أسميها، بارك الله بك والى الأمام ان شاء الله على درب الإبداع الممتع
الشيخ عائشة
11/9/2009 10:20 PM
توضيح :على الرغم من أن منطقة الراشدية أنشئت في أوائل السبعينيات ، إلا أن الجزء القديم منها عبارة عن بيوت عربية بسيطة توحي بأنها أقدم بكثير ، وهي تمثل جزءا من المرحلة التي تتحدث عنها أو ربما يمكن تصنيفها كلها أو بعضها في تطور المساكن الشعبية ، يفترض أن هناك من يصنف !! ولكن .. وتحمل ثرثرتنا أخي أحمد
محمد بابا
11/9/2009 8:47 PM
أتذكر أول تعاملي مع الكمبيوتر كانَ على نظام "الدوز" قبل ظهور "النوافذ" الويندوز وكانت الأقراص نوعاً من الوائر البلاستيكيّة المرنة والأمر قد يأخذ أكثر من سطر واالشاشة سودء والكل بلغة غير عربية وكانت معاناة أجبرتنا على الاجتهاد والحفظ .. أتذكر سيارة لوالدي قبل خمس وثلاثين عاما تقريبا كانت من نوع "ماركتو" من أوائل أجيال تويوتا وكانت في ذلك الوقت سفينة فضاء .. أتذكر أنني وإخوتي احتفلنا بشراء "بسبوسة الشوارع" في اليوم الذي اشترى لنا والدي تلفزيون بصندوق خشبي وأربع أرجل له لونان لا ثالث لهما أسود وأبيض،وعندما جاءنا التلوين كنت أذهب للجيران خلسة لأشاهد تلفزيونهم الملون .. ماذا أتذكر حتى أتذكر .. لقد نفضتَ عن ذكرياتي غبار السنين .. كل التحية ..
بو خليل
11/9/2009 03:04 AM
والله يا أخويه أنا بالكاد لحقت على أيام صخر الأخيرة، مع وقت وافر مع مكيفات أبو حصان (( أتوقع عندنا أحدها مازال يعمل )) !! .. لكن، أخي الصغير لم يعرف شيئاً عن جهاز صخر، فما بالك بالبقية ... لذلك، معظم تلك الأشياء لابد لها وأن تندثر ... ويمكن في يوم من الأيام، يقوم الواحد فينا بإخراج بعض القطع القديمة من حاجياته او صوره ( لما يكبر ) ويقعد يسرد قصتها على أبناءه وأحفاده ( ربما ) ... وربك كريم ... تحياتي لك ^_^
عبدالرحمن حماد
10/9/2009 7:57 PM
اتحاد المدونين مرجع جيد للباحثين عن التاريخ بعد 50 سنة ومقالاتك استاذ احمد :)
الشيخ عائشة
10/9/2009 3:56 PM
التفات جميل لقضية هامة جدا ، لقد تطرقتُ للموضوع من ناحية معمارية وذلك في العدد الأول من مجلة دبي الثقافية ، أشرت فيه إلى إهمال الحفاظ على ملامح عمارة الستينيات ، وكأننا انتقلنا فجأة من بيوت الجص والحصى إلى الفلل ذات التكييف المركزي ، وبعثت برسالة إلى قسم الحفاظ على المباني التاريخية في البلدية للانتباه إلى ماظل من مباني ومساكن تمثل تلك المرحلة وتحدثت إلى المهندس رشاد بوخش الذي كان مهتما جدا ، ولكن الحاصل أن مزيدا من هذه المساكن يهدم كل يوم ، مثلا : المنطقة القديمة في الراشدية والتي كان يفترض أن تظل مثل كل المدن العالمية التي لها جزء قديم ، يمكنك إن شئت مشاهدة بقاياها اليوم خلف مركزها التجاري ، كان حيا مختلفا ينطق بكل ما فيه بمرحلة ننظر إليها اليوم على أنها .. الزمن الجميل! هذا جانب وفي الجوانب الأخرى .. الحديث يطول.
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01