search
إصدارات
ارتباطات
التفكير بعيون الفقير
5/10/2009

 

هوس بعض الكتّاب والصحافيين العرب بالرؤساء "الفقراء" ربما ينم عن عقدة تجاه الغنى والأغنياء، وأغلب الظن أن هذه العقدة وليدة بيئاتهم، حيث الفقير يزداد فقراً وحقداً على الغني، الذي يزداد غنى ولامبالاة بالفقير.

إذا لم يكن هوسهم نتيجة عقدة مستحكمة ينطلقون منها في التحليل والتعليل واتخاذ المواقف وبناء الآراء، فما هو سر دفاعهم المستميت عن أي رئيس أو وزير أو مسؤول يتظاهر بالفقر؟  

يستحق الرئيس أو المسؤول، الذي يرفض مظاهر الترف والبذخ، الشكر والإشادة، لكن حين يكون هذا الرفض، سواء أكان عفوياً أو مفتعلاً، يخفي وراءه الجبروت والقسوة والجور، فإن الإشادة هنا تكون تضليلاً وتغطية على الحقيقة.

وهناك أكثر من حالة لأنظمة لا تعرف الرحمة ولا العدالة لكن نظافة يد الرئيس ونقاء ذمته المالية، حجبت عن العيون رؤية يديه الملطختين بالدم، ومشاهدة الأرواح المعلقة على رقبته، أي أن الحساسية ضد المال أكبر من الحساسية ضد الدم.

وإن كان لا بد من إجراء المفاضلة بين نظام يقتل ونظام ينهب، فمن ينهب قوت الشعب ويترك لهم حياتهم، أفضل من الذي يترك قوت الشعب وينزع أرواحهم، فلا يجد القوت شعباً ليأكله أصلاً. 

أحد هؤلاء الكتّاب والصحافيين، له صولات وجولات في الصحف العربية، وهو من أصحاب الرأي في العالم العربي، ويطلق عليه لقب "مفكّر"، مفتون ببساطة حياة الرؤساء، وكتب ذات مرة يصف رئيس دولة من دول العالم الثالث، يرأس نظاماً لم يعرف العدالة ولم يشم رائحة الديمقراطية وهو الآن يأكل بعضه بعضاً، كتب قائلاً: "ومنذ تولى منصبه حرص على ثلاثة أمور، أولها: إلغاء مختلف مظاهر الترف في رئاسة الحكومة، الأمر الذي دفعه إلى التخلّص بالبيع من السجاد والأثاث الفاخر والستائر الغالية في مقر الحكم". وهذا الحرص كان يستحق الإشادة والذكر لو رافقه حرص على إلغاء مختلف مظاهر القهر والاستبداد وقمع الحريات والتخلّص من قوانين القرون الوسطى.  

ويضيف المفكّر العربي الكبير مادحاً ذلك الرئيس: "إنه تمسك بأن يبقى مع الناس في الشارع أغلب الوقت". والبقاء مع الناس أغلب أو كل الوقت لا تدل على عظمة الرئيس أو صلاحه ما دامت السجون مفتوحة أبوابها لتستقبل يومياً المعارضين السياسيين، والمحاكم تعقد جلساتها لمحاكمة كل من له رأي مختلف بتهمة الخيانة والتجسس والعمالة والإفساد في الأرض ومحاربة الله.   

أما النقطة الثالثة التي سلبت لب المفكر العربي وجعلت مداد قلمه يسيل مدحاً في الرئيس الزاهد، فهو "أنه حوّل مقر رئاسة الحكومة إلى خلية نحل" ، ولا أدري ما هي فائدة تحويل مقر الرئاسة إلى خلية نحل إذا كان الهدف الأول من كل هذا النشاط والعمل هو البقاء في السلطة مهما كان الثمن، وتدبير المؤامرات ليلاً وتنفيذها نهاراً، أي العمل 24 ساعة؟ 

ويرى المفكّر أن سلوك هذا الرئيس "سوف يسبب حرجاً شديداً لمن سيجيء بعده، لأنه بجولاته المستمرة في المحافظات كل شهر سنّ سُنة يصعب على غيره احتمالها"، وهل سأل المفكّر نفسه: ما جدوى تلك الجولات المستمرة إذا لم يتغير شيء في أوضاع الشعب السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ أم هي جولات من أجل الدعاية والرياضة وتحريك سيارة الرئيس حتى لا تتعرض للتلف و"الكربنة"؟ خصوصاً أن هذا الرئيس بالذات أصدر حزمة من القرارات الظالمة، منها إبطال شرط الحد الأدنى للأجور، ومنح أرباب العمل صلاحية فصل العمال من دون عذر، حتى خسر أكثر من 1,5 مليون عامل وظائفهم خلال عهده الميمون.  

ويختم المفكّر وأحد قادة الرأي في العالم العربي مدائحه الفقرية في الرئيس صاحب السترة التي تباع بأربعة دولارات بالقول: "وأبقى على عادته اليومية في أن يحمل غداءه -الذي تعده له زوجته كل صباح- معه إلى المكتب، واحتفظ بسيارته «البيجوبارس» السوداء التي اشتراها سنة 2000، وقبِل على مضض بأن يرافقه حارسان فقط، أحدهما يجلس إلى جوار السائق، والثاني إلى جواره في الخلف".

ويحق للمفكّر أن يذكر هذه التفاصيل "المهمة" عن حياة الرئيس، لأن الرئيس الزاهد يذكره بنفسه في هذه النقطة فقط، ولا يراه إلا من هذه الزاوية، وكان الله في عون هذه الأمة ما دام مثل هذه الآراء تصدر من أحد مفكريها. 

Share |
|
|
|
أحمد أميري
12/10/2009 9:47 PM
شكراً أخوي عبدالرحمن على إرسال رابط "الخريط"، والإنترنت مليء بروابط الخريط الإيراني الذي لا ينتهي، فكم سيكتب المرء عن هذا النظام البائس؟
عبدالرحمن حماد
10/10/2009 2:30 PM
http://www.emaratalyoum.com/Articles/2009/10/Pages/09102009/10102009_79cf9c0b88bf42dcab2d743c60125548.aspx هذا الخريط ممكن يكون مناسب لتدوينتك القادمة
أحمد أميري
6/10/2009 12:16 AM
بصراحة انته ظلمت الرجل يوم قلت عنه باين عليه مجنون.. هذا مجنون حقيقي، بس مب الجنون اللي يخليه يركض في الشارع مفصخ، بل جنون العظمة والحماقة.
عبدالرحمن حماد
5/10/2009 11:14 PM
والله اول مره اعرف هاي المعلومات عن هذا الرئيس وان كنت لاحظت ان سترته قديمه ورخيصة لكن ما كنت لاهتم بأن اعرف عن زهده لانه باين عليه الجنون وباين على بلاده الفقر والاضطراب
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01