search
إصدارات
ارتباطات
أتحسبك جرماً صغيراً؟
11/10/2009

 

يروي أحد الصالحين أنه رأى في المنام شيخه المتوفى، فسأله عن الحساب والكتاب بعد الممات، فقال: لا يغادرون صغيرة ولا كبيرة، ولا يفوّتون حتى تلويحة اليد.  

في باريس سنة 2000، تسببت شريحة معدنية لا يتجاوز طولها طول المسطرة المدرسية، كانت ملقاة على مدرج الطائرات بمطار شارل ديجول، في احتراق طائرة كونكورد في الجو، وسقوطها على فندق في ضواحي باريس بدل الهبوط في نيويورك، مما أدى إلى مقتل 113 شخصاً، ومن ثم آلاف الحزانى والأيتام، ناهيكم عن هدر مئات الملايين من الدولارات.  

لم يجد المحققون الفرنسيون إلا هذه الفرضية لاحتراق الطائرة الوحيدة الأسرع من الصوت في العالم، فقالوا إن عجلة الطائرة داست الشريحة المعدنية، فانفجرت العجلة وتمزّقت وبدأت قطع البلاستيك الكبيرة تتطاير حول الطائرة، واصطدم إحداها بخزان الوقود، فأحدثت رجّة فيه تحرك على إثرها الوقود بقوة واندفع عبر الفتحة.  

لكن لأن تسرّب الوقود لا يؤدي إلى احتراق الطائرة، فقد افترضوا أن قطعة أخرى من بلاستيك العجلة الممزقة اصطدم بقوة بأسلاك كهربائية في بطن الطائرة مما أدى إلى قطعها، ونتج عن هذه الشرارة التي تلاقت بالوقود المتسرّب وأدت إلى اشتعال الطائرة في الجو وتحولها إلى كتلة ضخمة من اللهب قبل أن تستقر في غرف الفندق.   
 
يقول الكاتب سمير عطا الله في مقال له: "كان يخطر لي دائماً أنه لو لم يقرر غاندي مواجهة مفتش القطار في جنوب أفريقيا، عندما منعه من الجلوس مع البيض، لما بدأت ملحمة استقلال الهند. وفي أوائل الخمسينات قررت عاملة أفرو أميركية بسيطة أن تجلس في مقدم الباص وليس في آخره كما يفعل جميع السود كل يوم كل عقد. ومع روزا باركس بدأ التمييز العنصري في أميركا بالسقوط".  

وبالمثل، يخطر ببالي أنه لو انتبه عمّال النظافة للشريحة المعدنية المشؤومة، لما قضي كل أولئك البشر وهم في الجو. وأذهب أبعد من ذلك وأفترض سوء النية والإهمال، فأقول ربما لاحظ أحد العمال الشريحة، لكنه تثاقل في رفعها من الأرض، وقال في نفسه: ماذا يمكن أن تفعل قطعة معدنية صغيرة في مدرج للطائرات الكبيرة؟ أو ربما تكون الشريحة جزءاً من مركبة يقودها أحدهم على المدرج، وعرف أن القطعة سقطت من مركبته، لكنه تجاهل رفعها ومضى في طريقه.  

وهناك حوادث كثيرة في التاريخ كان سببها الأول "بسيط"، مجرد إهمال عامل أو تقاعس موظف أو لامبالاة بشرية أو استعجال فني أو عناد جاهل أو تعنّت مسؤول أدت إلى حدوث سلسلة من الأخطاء "البسيطة"، فكانت الكارثة الكبرى. لأن الإنسان يعتقد أنه مجرد حبة رمل في صحراء شاسعة أو أدنى من ذلك، وهو كذلك حقاً، لكن لا يدري أن الحبة يمكن أن تصنع الفارق سلباً أو إيجاباً، شراً أو خيراً. وحقاً قيل: "أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر؟". 

ولا يهم إن كان ما رآه ذلك الصالح رؤية أم أضغاث أحلام، لكن معنى ما رآه صحيح، إن خيراً فخير، فعلاً أو قولاً أو إشارة خاطفة أو إيماءة وجه، وإن شراً فشر في كل تلك الأحوال، "وإن كان مثقالَ حبةٍ من خردلٍ أتينا بها". 

فاستقلال الهند بدأ من موقف بسيط ولا يعني شيئاً في الموازين العادية، مجرد شخص يُمنع من الجلوس مع أشخاص آخرين، وكذلك موقف روزا باركس. وفي الجانب السيء والشرير، فإن أهون الشرور في الدنيا يمكن أن تقلب حياة الآلاف، كوجود تلك الشريحة المعدنية، وربما حياة شعوب كاملة.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01