search
إصدارات
ارتباطات
مجتمع التوت البري
11/10/2009

 

بعض الحمقى سألوا رجلاً: هل عندك بيبي؟ فقال: نعم عندي ولد وبنت. فنظر بعضهم إلى بعض يتساءلون: نقول له بيبي، فيقول ولد وبنت! وأخذوا يتضاحكون ويعيدون السؤال: هل عندك B.B، يعني بلاك بيري؟ فقد وضعوا لهذا الجهاز اختصاراً لا يعرفه إلا مجتمع كمبيوترهم الهاتفي المحمول. 

كان يفترض أن ينحصر أفراد هذا المجتمع في النخبة الممتازة من الناس، الذين تتطلب طبيعة عملهم وإيقاع حياتهم المحافظة على سير أعمالهم والتواصل إلكترونياً مع موظفيهم وعملائهم 24 ساعة/ 7 أيام في أي زمان ومكان، كرؤساء الدول، الدول الكبرى بالبداهة وليس جمهوريات الموز، وبعض الوزراء، فوزير الزراعة مثلاً مطلوب منه زراعة التوت وليس اقتناء التوت البري، وبعض مديرو الشركات العابرة للقارات، وجماعات الاتصالات وتقنية المعلومات ومندوبي المبيعات، وجميع العاملين في الـ "قوميوكيشنز ديبارتمنت"، وقلة قليلة من المراسلين والصحافيين العاملين في أقسام الأخبار والتحرير، وليس كل من هبّ ودبّ في الصحيفة.  

لكن الذي حصل أن مجتمع التوت تلوّث بالطفيليين، وهم أشخاص يكفيهم التليفون المنزلي أو التلغراف، وبعضهم يكفيه التواصل مع أصحابه من خلال علب كولا معدنية موصولة بعضها ببعض بواسطة حبل، أو من خلال تمديدات وأنابيب المياه كما كان يفعل غوار الطوشة في فيلم "صح النوم". فما هي المهام الكبرى الملقاة على عاتق مدخّل البيانات أو سكرتيرة المدير أو الجندي في الجيش أو طالب الجامعة أو المدرسة لاقتناء هذا الجهاز؟ لا شيء سوى اللعب واللهو والتفاخر وإرسال الكلام الفارغ.  

ومن عجائب الدهر أن رئيس أهم دولة في العالم، الرئيس الأميركي باراك أوباما، اضطر إلى التخلي عن توته لاعتبارات أمنية وقانونية، لكن ثلاثة أرباع المتسكعين والمتسكعات في "السناتر" و"المولات" يملكون "بيبي" لاعتبارات غير معروفة.   

وحين تسأل أحدهم عن سبب اقتنائه الجهاز، يقول لك من دون أن يرفع رأسه لينظر إليك مثل "الأوادم": لتنظيم جدول أعمالي، أو يقول بعد أن أمضى أربع ساعات في الشيشة: لاستثمار وقتي.  

حسناً، هل أقول قولي هذا حسداً لهم؟ نعم، فأنا بعكس هؤلاء العباقرة لا أستوعب التكنولوجيا، ولا زلت أتعامل مع الكمبيوتر بالبركة، لكن ليس هذا هو السبب الوحيد، فأنا أعاني منهم وفي الوقت نفسه لا أستطيع أن أعبّر عن غضبي تجاههم وجهاً لوجه، لأن رؤوسهم لا تتزحزح من أمام أجهزتهم اللعينة.  

حين أجتمع بأصدقائي، ويكون بيننا أحد "البلاك بيريين"، فإنه يقعد كأنه مصاب بالتوحد، لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم، مجرد حضور فيزيائي أو حيّز من الفراغ يملأه بجسده، لأن له "جروب" دردشة يراسلهم كتابة وهو بيننا، ولنا "جروبنا" الطبيعي، وهو يجاملنا حين ينضم إلينا، ونحن نجامله حين ندعوه. وإذا كان توحّده معقولاً، فإنه بين الحين والآخر يرفع رأسه ويسأل عن بداية الموضوع الذي كنا نتحدث فيه قبل نصف ساعة، وما أن نأخذ في شرح ما قيل؛ ينكس رأسه وينظر في جهازه. وإذا كان توحّده خفيفاً، فإنه يتفاعل معنا ولكن باله يكون مشغولاً بما يصله على جهازه. أما إذا كان يحمل فيروس التوحّد لكنه لا يعاني من المرض، فإنه يشاركنا كل شيء إلا أنه يشوّش علينا برنين الرسائل التي يبعثها له "جروبه".  

ويحدث مثل هذا في الاجتماعات العائلية، فبعض الأشقاء إذا خيّروا بين إتلاف أجهزتهم أو التخلص من أخوتهم، لفكّروا قليلاً ثم قالوا: الجهاز لا يمكن تعويضه، بينما الأخ يمكن أن يموت وينجب الوالدين أخاً جديداً. والأدهى أن أبناء أشقائي وشقيقاتي دخلوا في هذه المعمة التوتيّة، فبدلاً من أن يصغوا لعمّهم وخالهم وهو يشرح الظواهر الكونية ويضع الحلول لرتق ثقب الأوزون، فإنهم ينهمكون في استكشاف أجهزتهم وتبادل الرسائل والانضمام إلى "الجروبات" لأغراض غير شريفة.. وحفاظاً على ما تبقى من علاقة بيني وبينهم فإنهم يرفعون رؤوسهم كالعادة ويقولون: كيف حال الخال؟ فأرد وأنا أنظر في "موبايلي" الحجري: لا تعليق.

 


Share |
|
|
|
أحمد أميري
15/10/2009 01:06 AM
× صدقت يا أخي محمد بابا وبارك الله فيك وأبعد عنك البلاك بيريين. × سنضطر يا أيها الهاشمي أنا وأنت وغيرنا أن نقتني التوت البري في يوما، ربما تتحول جميع الموبايلات قريبا إلى هذا النوع التوتي، وبرغم هذا، فإن العقلاء يمكنهم أن يحتفظوا بما تبقى لهم من عقل. × لا يا أختي عفراء أنا لا أنبذ الإلكترونيات لكنني لا أستطيع مجاراتها، فكلما تعلمت العمل على نوع منها، نزل في السوق نوع جديد لا علاقة له بالأول.. ولست من قيل له بيبي، فأنا ولله الحمد لم أصل إلى مرحلة الجلوس مع هذه النوعية الخارقة من البشر، ثم إن عيالي عددهم ثلاثة وليس اثنين. شكرا لك وأرجو مواصلة زيارة هذه المدونة ليل نهار.
عفراء سيف
14/10/2009 11:08 PM
أقسم أنك أنت الرجل الذي سألوه عن البيبي فلا أحد ينبذ الالكترونيات بقدرك ومثل تلك الإجابة الظريفة لا تصدر إلا من أحمد أميري لم تزل كتاباتك ممتعة كعهدها الدائم تقبل مروري
أحمد عبدالله الهاشمي
14/10/2009 4:32 PM
المراءة عندنا هي عدوة التكنولجيا ! نعم فمبجرد نزول الجديد للسوق نجد نحن أنفسنا الرجال مولين وجوهنا عن نسائنا وتبدأالغيرةوالكره والتأمر وينشط عمل المحاكم والمحامين والاولاد وتنقلب الحياة الهادئه . هذا اعتراف ضمني بأنك في مشكلة !! (ان ما طاعك الزمن طيعه) المشكلة عندما تجد نفسك غريبا في كل شيء. النوم الاكل الشرب البيت العمل نوع الهاتف الشارع بل في مستقبلك. جهل الانسان وسط المجتمع طبيعي ويعتبر نوع من الفقر وأقصد فقر المال فهو يهرب من الصراحه ويكون كالذي يريد الشيء ولكن يستحي طلبه . اعترافك هذا جميل وهو أكبر دليل على أن أحد مثقفينا لا يعرف استخدامات البلاك بيري بينما ذلك الطفل الجالس على كرسي المدرسه يتقن كل شيء فيه و يمكنك أن تعتمد عليه . لأجل ذلك لابد من أن تكشف عن خطأ توقعاتك وأحلامك فحاليا أنت مختلف تماما وأكبر غلطه تأخرك في الحصول على هذه التقنية . لا أكذب عليك ولا على نفسي فلقد حاولت أيضا مجارات هذه التكنولوجيا توجهت لمركز مبيعات الجهاز وبعد أن وضعت يدي في جيبي اكتشفت أني لا أملك القسط الشهري وادعيت عدم ثقتي في هكذا جهاز ومثله مثل الطناف والجوال والسواح والكاتل سننساهم لان هنالك تشابها كبيرا بين تلك الاجهزه والطفل الصغير كلاهما لاتستطيع اسكاته ولا ارضائه .
محمد بابا
13/10/2009 10:49 PM
انشغال الأوادم بأن يكونوا مثل الأوادم جعل منا "عوادم" للمسحوسيّة والحياتيّة .. تحياتي ..
أحمد أميري
12/10/2009 9:30 PM
* ما يعنيني أخوي بو خليل الناس تاخذ البلاك بيري أو ما تاخذه، المهم عندي هم أهلي وربعي اللي احتك فيهم كل يوم وأشوفهم متحولين إلى أشخاص صعب التواصل معهم بشكل طبيعي. * شكراً أستاذ السيد النمر لكن الجماعة "إياهم" يعرفون الفارق بين البلاك بيري والبلاك كوفي، إلا أنهم يجهلون الفارق بين أن تعطي جليسك كامل انتباهك وبين الجلوس معه مثل الطاولة. * شكراً أخي أبو علي وأنت أروع.
ابو علي
12/10/2009 7:23 PM
مقال راءع اخي احمد وفقك الله للمزيد.
السيد النمر
12/10/2009 3:28 PM
صدق والله لأن الكثير لا يعرف الفارق بين البلاك بيري والبلاك كوفي جميل طرحك أستاذ أحمد وأبدعت فى جملة حضور حيز أو الحضور الفيزيائي لمستخدمي البلاك بيري في الجلسات تقبل تحياتي
بو خليل
12/10/2009 09:46 AM
صدق والله ... لا تعليق ... المشكلة مثل ما قلت، ناس تآخذه ولا يستخدمونه بشكل كامل أو صحيح ... وكالعادة، الناس تمشي وراء المظاهر، والأسماء الرنانة ... كثيرين من حولي قاموا يآخذون هذا التوت الأسود ... والبعض الآخر ينصحني في أقتناءه ايضاً ... لكن، طالما احس انه ماله داعي آخذه، وما بيزيدني شيء فـ ليش تشتريه من الأصل ! وتمشي الدنيا بهذا الشكل ^^"
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01