search
إصدارات
ارتباطات
معلومة: الشمس تشرق صباحاً
25/10/2009

 

لاحظته يردد كلمة "أعرف" كلما فتحت فمي أمامه مداعباً أو موجّهاً أو محذّراً، فأضطر إلى بلع لساني، فهو يعرف ما أقوله وسأقوله، ومن ثم لا داعي لمواصلة الحديث. انفجرتُ في وجهه أخيراً وجذبته من أذنه: ماذا تعرف يا ابن (...)؟ أنت لا تعرف شيئاً. بكى الصغير منسحباً إلى غرفته وهو يلتفت إلى الوراء والدموع في عينيه قائلاً في نفسه: لا أعرف لماذا غضب أبي المجنون من  كلمة واحدة؟ وابني معذور في تعجبه، لأن حوارات الأطفال فيما بينهم تنتهي هكذا: هذه الحلوى لذيذة، فيرد الآخر قبل أن يتذوقها: أعرف.  

شعرت بالذنب وقلت: إذا كنت تعنّفه من أجل كلمة، فماذا ستفعل حين يرتكب، لا قدر الله، جناية؟ لكن في الوقت نفسه، فإن اعتياده على "أعرف" ستجعله يرتكب الجناية لا محالة، لأن الكلمة ستلتصق بحلقه وسيكبر معها ولن تغادر فمه أبداً. وكل من يردد "أعرف" الآن، فقد كان "يعرف" في طفولته ولم يجد أباً مثلي يجذبه من أذنه. 

ومن يردد هذه الكلمة، سيأتي عليه يوم لا أحد يزوّده بمعلومة أو توجيه أو نصيحة، لأنه إذا كان يعرف فعلاً وكان آينشتاين زمانه، فإن المتحدث سيشعر بالإحباط والحرج وبعدم الجدوى، فلا يمكن تجاذب أطراف الحديث مع من يعرف كل شيء، ومع العباقرة الكبار.  

أما إذا كانت "أعرف" مجرد ادعاء أو لازمة لسانية عفوية، فإن المتحدث سيغضب وسينهي حديثه، لأنه سيعد الأستاذ "أعرف" معجباً بنفسه، ومن ثم لن يستفيد الأستاذ من تجارب وأخطاء الآخرين، ولن يزيد علمه ومعرفته، فـ"الإعجاب يمنع من الازدياد".  
 
تخيّل أن صاحب المعارف الكبرى يجلس مع ضابط وطبيب وتاجر ويمارس هوايته المفضّلة معهم، فإن الأول لن يحذره من مرافقة المشبوهين، فالضابط يعرف هؤلاء، بينما الرجل العادي لا يعرف، وتكون النهاية أنه يتورّط معهم. والطبيب سيبلع لسانه حين يجده يرتكب خطأً صحياً قاتلاً في نمط حياته، وتكون النتيجة موته الحتمي وتخلّص العالم من معارفه الجمّة. والتاجر لن يتفوه أمامه بأي نصيحة إذا سمعه وهو يحلم بالدخول إلى التجارة من أوسع أبوابها، فيكون مصيره هو الإفلاس ودخول السجن من بابه الضيق. وحتى حين يجلس مع شخص فقير الثقافة، فإنه لن يحذره بأن برميلاً سيسقط من فوق البناية على أم رأسه، لأن "العارف" قد يرد في اللحظة الأخيرة: أعرف.  

ويتذاكى بعض الذين يعرفون كل شيء بتغيير الكلمة وتحويرها، فأنت تقول له إن القضية الفلانية هي كذا، فيقمعك ويعيد صياغة كلامك ويلقيه على مسامعك من جديد. أو يهز رأسه بطريقة الخبراء، كأنه يؤكد لك معلومتك ولسانه حاله: أعرف قبلك. أو يمتنع عن طرح أي سؤال لأنه يعرف الأمر من ألفه إلى يائه. أو يتظاهر بالانشغال بأي شيء آخر إلا النظر في عينيك، فما حاجته إلى سماع ما يعرفه أصلاً؟  

اعلم يا ابني أنني أحياناً أسمع أشياء أعرفها منذ أن كنت جنيناً في بطن جدتك، لكنني أفتح عيني وفمي متفاجئاً، ولو كانت المعلومة أن الشمس تشرق صباحاً، ولا أغلق فمي إلا حين يقول لي المتحدث بعد أن يمنّ علي بعلمه: "تستطيع أن تغلق فمك الآن.. انصرف إن شئت". لأنني أضمن بذلك أن أسمع منه يوماً معلومة مهمة أو خطيرة تنفعني.

Share |
|
|
|
أحمد أميري
15/11/2009 01:57 AM
لا زعلان ولا شي، وقول صافي وأنا أقول حليب يا قشطة.
احمد عبداالله الهاشمي
14/11/2009 12:26 PM
يعني يا الاميري انت مب زعلان مني :-) اقول صافي يا لبن
أحمد أميري
14/11/2009 02:13 AM
أفا يا الهاشمي، هذا آخر ما كنت أتوقعه منك، لماذا الغضب يا صديقي، أنا لم أقل شيئاً، أنت أبديت رأيك وأنا قلت لك إنني في البيت أب مسؤول عن تربية أولاده، هذا كل ما في الأمر، ولم يكن في ردي عليك أي غضب أو استياء، وأرجو العودة إلى قراءة ردي والتحقق من ذلك بنفسك، والمدونة مدونتك في كل وقت.
احمد عبداالله الهاشمي
14/11/2009 12:24 AM
احمد اميري لا اعتذر لك وانما أنت من كتبت عن حياتك الخاصة وتركت لنا المجال لنعلق عليها فلماذا تغضب مني . لقد ترددت مرارا ولكن هذه المره سأكون جادا لست معك وانما مع نفسي . فمن هذه اللحظه حرمت على نفسي الدخول وقراءة مدونتك . واخر كلامي لك هو من شعر حامد زيد: الصاحب اللي مايجي من صحبته غير العذاب نذرا علي إن ماهجرني ولا أنا اللي بهجره من يفتح لفرقاي باب أفك له عشرين باب وإذا صديقي مايقدر خوتي ما أقٌدره أنا تجرعت الظما لين إحترق وجهي وذاب أنا كسرت بخاطري قبل الصداقة تكسره
أحمد أميري
3/11/2009 7:21 PM
* ليتهم يعلمون يا أختي عائشة أنهم "لاحقين" على الادعاء. * أخي الهاشمي، البيت شيء والحياة العامة شيء آخر، في البيت أنت تربي وتؤدب وتعلم، لكن في الحياة العامة ليس من حقك، ولست أصلاً مؤهل لتربي غيرك او تؤدبه وتعلمه. وفي البيت أنت مسؤول عن كل فرد فيه، ولكنك في الحياة العامة لست مسؤولاً إلا عن نفسك والناس من حولك أحرار فيما يفعلون، وفي البيت الحرية مقيدة ومشروطة وحولها عشرات المحاذير. ولا تخف على ابني، لن يصبح طماشة ولا قماشة، فهو صغير، وسيعرف حين يكبر معنى ما أكتبه الآن. * شكراً أختي منى بيومي وما نقلتيه صحيح مائة ألف بالمئة. * ملعوبة منك أخي محمد بابا، لكنني أعرف أنك تعرف.
محمد بابا
1/11/2009 11:36 PM
أعرف ..
منى بيومى
29/10/2009 5:48 PM
ان من أمارات المعرفة حصول التواضع فمن ازدادت معرفته وعلمه ازداد تواضعه وقيل ايضاً ...من ازدادت معرفته ازدادت سكينته. وقيل :مجالسة العارف تدعوك من ست الى ست : من الشك الى اليقين ومن: الرياء الى الاخلاص ومن القفلة الى الذكر : ومن الرغبة فى الدنياالى الرغبة فى الاخرة :ومن الكبر الى التواضع ومن سوء الطوية الى النصيحة ...
أحمد عبدالله الهاشمي
29/10/2009 3:44 PM
لابد من الحقيقة للجميع فلابد أن تحميها بجميع أسلحة الكذب . ليسوا هم بل نحن من قبلهم أحببنا وأقسمنا أن لا نبيح السر ..والعديد منا ما زال يلتزم الصمت..وقليلون هم من تكلموا وتحدثوا ودخلوا وخرجوا فهذا هو السم الهاري : الحب ماذا يقول ؟ ومن أين أتى بهذا الكلام ؟ ولماذا؟ لا اجابة؟ اذا يا أميري أنت أيضا لا تعرف والاجابة عندي أنا : لقد أحزنني تفاعلك مع ردة فعلك ابنك ولست أنت وحدك عديدون هم مثلك قليلون هم من يقروا بجهلهم ومعرفة ابنائهم بل ابنائهم يقرؤن أفكارهم شيء ممتع وحياة لها معنى انها الوراثة واسلوب التخاطر عن بعد ما أحوجنا الى أن يكون أبنائنا نبهاء وليسوا بلهاء واسلوب اقفال الفم والكبت والعنف والطراقات لا تنفع حاليا يا أميري فأنت أكبر ممارس للحرية الفكرية وأجدك ليبراليا أم أنك غير ذلك في المنزل !!! أجبني؟ لا تجعل من أولادك طماشة في حلوج الناس وطبيعي أن يلاحظ الناس ذلك . لا أدري ولكن أحس انك ستستهر بكلامي هذا .... فليكن. ولكنك فتحت نافذه موضوع مهم وستدخل عليك الرياح والاتربة .
عائشة محمد الشيخ
27/10/2009 12:01 AM
قرأت مرة أن الشعور بالدهشة ولو من حدث بسيط كسقوط ورقة شجر على الأرض من ميزات الأطفال ،، وللأسف فإن الكبار يبالغون في حرمان أنفسهم منها ، ليفوتهم حظ كبير من السعادة ،، يبدو أخي أحمد أن الصغار صاروا ينافسون الكبار في ذلك النوع من الغباء ،، فقط ليقال : كبروا !! ليتهم يعلمون .
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01