search
إصدارات
ارتباطات
قرابين على مذبح الإنترنت
3/11/2009

 

في بداياتي كنت أكتب المادة وأبعثها لصديق خبير في الصحافة، ليحذف منها ويضيف إليها ما يشاء. بعدة عدة مقالات قرر أن يعطيني ملاحظاته بعد النشر. قلت له: وما فائدة الرقابة اللاحقة؟ قال: حينما يكون خلفك خط دفاع، فأنت تكتب بلا قلق ولا خوف ولا شعور بأنك مسؤول عما تخطه، وهكذا تتخلص من عبء المسؤولية وتلقيه على غيرك.  

لكن حين تكون وجهاَ لوجه مع القارئ، بلا "تنظيف" أو تنقيح، وبوجود اسمك الصريح، فمن البديهي أن تراجع ما كتبت وتحرص على ألا تترك ثغرة في منطق كلامك، أو ضعف في محاججتك، أو أخطاء في معلوماتك، أو غموض في أسلوبك، أو تقعّر في عباراتك، أو تجاوز للخطوط الحمر توقعك في شر أعمالك. ويزداد حرصك حين تتذكر أنك كتاباتك هي عقلك، لذلك قالوا: "لا يزال الرجل في فسحة من عقله ما لم يقل شعراً أو يصنّف كتاباً"، وأن أسلوبك هو أنت، لذلك قيل: "الأسلوب هو الرجل".  

مقدمة طويلة لكنها ضرورية لتسليط الضوء على الكلام اللامسؤول الذي يتردد في المنتديات والرسائل والتعقيبات الإلكترونية، لأن أغلب المنتديات لا تشترط للأعضاء فيها التسجيل بالاسم الصريح، ويمكن في دقيقة واحدة إنشاء بريد إلكتروني بـ"حيا الله اسم"، والأمر أكثر سهولة في التعقيبات، فلا يُشترط أي شيء سوى كتابة التعقيب نفسه. وكلما اشتد تخفي الإنسان وتسترته وخلا بنفسه وإلى شياطينه، خلع رداء الحياء والعقلانية وارتدى ثوب الجرأة والتهور، وإن المرء ليستحي من الأكل في السيارة وعن يمينه وشماله ومن أمامه وخلفه عيون ترى، لكنه يأكل ويشبع ويتجشأ إذا كان زجاج سيارته مظللاً.

ويحدث مثل هذا في الحفلات التنكرية، وربما عند اللصوص والخاطفين، فالتخفي لدى هؤلاء قد لا يكون للحيلولة دون افتضاح أمرهم فقط، وإنما للاختباء خلف القناع وفعل ما يشتهون، خصوصاً في الظلام الذي هو قناع مجاني لزوّار الليل، وفي هذا يقول المتنبي: وزائرتي كأنّ بها حياءً، فليس تزور إلا في الظلامِ". وقد قيل: "قدّم لرجل قناعاً وسيقول لك الحقيقة". فالمهم هنا هو إخفاء الوجه ومن ثم الهوية. ونحن نقول: ماء الوجه كناية عن الحياء الذي قد يقلُّ فيجفّ الوجه ويصبح لوحاً من الألواح.  

وإذا كان القناع يعطي هامشاً من الحرية، فإن الإنترنت يعطي صحارى شاسعة من الحرية المنفلتة، حيث لا وجه ولا اسم ولا أي شيء يدل على هوية صاحبه، وليس هناك إلا ضميره، وبعض الناس أودعوا ضمائرهم منذ مدة ليست بالقصيرة في المقابر، ولا يبالون وهم يقدمون سمعة الآخرين قرابين على مذبح الإنترنت. 

وإذا كان هؤلاء إلى ما قبل عصر الإنترنت يمسكون ألسنتهم عن ممارسة هواية السب والشتم ورمي التهم جزافاً، فلأن الوسائل القديمة، كإرسال الردود للصحف أو إرسال رسالة بريدية، كانت وسائل بدائية، وأمر النشر لم يكن بيدهم، ومفعول كلامهم كان بطيئاً، والأمر في النهاية كان يكبدهم مشقة الذهاب والإياب، ولم يكن ممكناً التحقق من علم الطرف الآخر بما قيل في حقه، وفوق هذا، كان كل واحد منهم يعمل بمفرده.  

بينما الآن يصعب تعقّب أصحاب الضمائر الميتة، وطرق النشر متوافرة وسريعة، والأمر كله يحدث ببضع نقرات على لوحة المفاتيح، وهم يعلمون يقيناً أن الطرف الآخر بلغه الأمر، وأوجعه. وفوق هذا، فهم يجتمعون على موضوع واحد، ويتشاركون إبداء "الرأي" فيه، ومن ثم يتعاونون على الإثم والعدوان.  

وحتى أولئك الذين لم تلفظ ضمائرهم أنفاسها الأخيرة، فإنهم قد يشاركون من باب "حشر مع الناس عيد"، أو من باب تصديق ما يقال لأن "الحقائق واضحة مثل الشمس"، كأنهم لم يسمعوا بالحكمة التي تقول: "إذا جاءك شخص وعينه مفقوءة، فانتظر حتى يأتي الطرف الآخر فقد تكون عيناه مفقوءتين". 

لا شفاء ولا أمل في خفافيش الإنترنت وأرانب المنتديات الإلكترونية، لكن الأمل معقود على أصحاب المواقع والمنتديات الإلكترونية، بأن يشترطوا المشاركة بالأسماء الصريحة، فإن تعذر ذلك، فعلى الأقل مراجعة ما يُكتب والتحقق مما يُقال، ويكونوا هم في موقع خط الدفاع الأخير أمام الفظائع والجرائم الإلكترونية. 

Share |
|
|
|
أحمد أميري
23/11/2009 01:34 AM
* شكراً أخي محمد بابا والمشكلة أن إخراج هؤلاء المرضى لما في نفوسهم ربما يعالجهم لكنه يضر بالأبرياء. * لا فرق أخي بوخليل بين شاب وفتاة في الإنترنت، برغم أن الصدمة بالفتاة تكون أكبر، عموما خلع الفتاة لباس الأخلاق والخجل والحياء ليس هو المشكلة الكبرى، إنما المشكلة هو في اتهام الناس وإلحاق الأذى الأدبي والمعنوي بهم وتحطيمهم من خلال الأكاذيب والدعايات المغلوطة التي يقف وراءها أشخاص لا يهمهم أي شيء ما دام لا أحد يعرفهم أو يستطيع الوصول إليهم. * أنا معاك أخي عبدالرحمن حماد بأنه ما لخفافيش الظلام من حل، وإن سر نجاح المنتديات هو بالذات عدم اشتراطهم التسجيل بالأسماء الصريحة، لكني أقوم بدوري في تسليط الضوء على "المسخرة" التي تحدث في الإنترنت، والباقي على الله.
عبدالرحمن حماد
4/11/2009 01:16 AM
كلام صديقك الخبير عين الصواب وانا لما ارسل مقالاتي لكاتب كبير عشان "يشيك" عليهم اخذ راحتي وما اراجع كلامي ونفسي بعكس لما احطها في المدونه او المنتدى على طول وخفافيش الظلام ما لهم حل لان سر نجاح المنتديات هو كونها ماتشرط الاسم الحقيقي ..
بو خليل
3/11/2009 9:13 PM
تصدق عاد، هذا شيء من الأشياء اللي قمت التمسها من حولنا في المنتديات العربية للأسف .. وخاصةً، من الفتاة التي تكون بين عائلتها قمة في الأخلاق والخجل والحياء .. ولكن، ما أن تتسلسل إلى جوانب الانترنت، تخلع ما عليها لترتدي ما تشاء من ملابس عجيبة لتتحدث مع الناس بطريقة يعجب منها الذكر قبل الفتاة .. تحياتي لك .. وعسى أن يكون حديثك باباً لإصلاح حال الناس ...
محمد بابا
3/11/2009 8:08 PM
حينَ يكثر الحديث الساقط وراء اختفاءات فلا أدلّ من هذا الحال على إفراغ سوءٍ لولم يخرج لأمرض أصحابه والحمد لله أن في الحياة من يميز بين طيب القول وأفسده .. تحياتي لك أستاذي الفاضل ولما تكتبه وتدافع عنه ..
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01