search
إصدارات
ارتباطات
التلفزيون نائم والبيوت تحترق
20/11/2009

 

لاحظت في الصورة التي نشرتها الصحف لبيت احترق مؤخراً والتهمت النيران ثلاثة من أفراد الأسرة، أن نافذة الغرفة مغطاة من الخارج بقضبان معدنية لا تسمح بمرور البشر. وبرغم أن إحكام تغطية النوافذ يمنع تسلل اللصوص، إلا أنه يمنع أفراد البيت من الهرب عبر النوافذ في حالات الطوارئ.  

وهذا خطأ شائع وقاتل، ففي دولة الإمارات، حيث نسب جرائم السرقة والسطو والتسلل إلى البيوت قليلة مقارنة بحالات الحريق، حيث بيّنت إحصاءات الإدارة العامة للدفاع المدني وقوع 767 حادث حريق خلال عام 2009، وأن 40 بالمئة منها هي حرائق منزلية، ولا أعتقد أن جرائم التسلل بلغت تلك الأرقام، لذا فمن الحكمة عدم تغطية النوافذ وتحويل غرف النوم إلى سجون، خصوصاً أن المتسلل يمكن مقاومته بينما يصعب مقاومة النيران أو الدخان الذي يبعث غازات سامة تُفقد الوعي وتؤدي إلى الوفاة.  

تقام هنا وهناك ندوات ومحاضرات توعوية لكيفية التصرّف في حالات الطوارئ، ويحضرها أو يستفيد منها بالطبع قلة من الناس، بينما التلفزيون، وهو أهم وأسرع وسيلة إعلامية، نائم وغائب ولا دور له، فلا ينتج ولا يعرض برامج تعرّف الجمهور بشروط السلامة وبإرشادات التعامل مع حالات الطوارئ. 

أين برامج السلامة والوقاية من الأخطار في البيوت وفي الشوارع وفي أماكن العمل؟ وأين البرامج الإرشادية التي ترشد المشاهد لكيفية تجنب الحوادث وكيف يجهّز منطقة لعب الأطفال وكيف تتم عملية الإخلاء في حالات الطوارئ وما الذي يجب أن تحتويه صندوق الإسعافات الأولية والصيدلية المنزلية؟  

وكيف يتصرف في حالات حوادث الكهرباء وانفجار سخانات الماء واحتراق مراوح الشفط والمكيفات والدفايات والأجهزة الكهربائية المختلفة، وعند تسرب الغاز، وكيفية التعامل مع إصابات الحريق والتعرض للمواد الكيماوية، وحوادث الغرق والانزلاق في الحمامات وحوادث المصاعد الكهربائية والعبث بالآلات الحادة وعند وقوع الزلازل، وحالات التسمم المنزلي، وحوادث انغلاق الأبواب، والقيادة في الأجواء المطيرة وفي ساعات الضباب وعند مواجهة السيول والحيوانات السائبة؟ 

وإذا كان التلفزيون يتحفّظ على قدرة برامج الأخطار والكوارث وكيفية التعامل مع حالات الطوارئ في جذب المشاهدين، وبالتالي المعلنين والمداخيل الإعلانية، فيمكنه إجراء استطلاع للرأي لمعرفة عدد المشاهدين الذين يتحوّلون يومياً عن القنوات الإخبارية والمنوّعة والترفيهية إلى القنوات الاستكشافية كـ"ناشيونال جيوغرافيك أبوظبي" و"ديسكفري" وغيرهما.   

ورغم أن هذه القنوات تعطي المشاهد فكرة عن الحوادث المختلفة وكيفية التعامل معها، لكن فائدة المشاهد في الإمارات تبقى ناقصة، لأنها برامج غربية الشكل والمضمون، والمواد التي تستخدم في بناء البيوت الغربية مختلفة عن المواد المستخدمة هنا، وشتان بين بيت أساسه خشب ومسامير وبيت أساسه أسمنت وطابوق، واختلاف نوعية الطعام وطرق تجهيزه والوسائل المستخدمة في ذلك، كالفارق بين "الهمبرغر" و"الغوزي"، واختلاف نظم العيش بيننا وبينهم، كاستعمالنا المدخن لتبخير ملابسنا، وتدخين الشيشة لتدمير صحتنا.  

لذلك، فمن الأفضل إنتاج برامج مستوحاة من البيئة المحلية، كإنتاج برامج عن حوادث الحريق التي تندلع في البيوت مثلاً، بتصوير مكان الحادث، وإجراء لقاءات مع ذوي الضحايا والمصابين والجيران والشهود، ورجال الإطفاء والإسعاف والشرطة، وخبراء الحرائق والمختبر الجنائي، ومهندسي البناء، وتحليل القضية من أولها إلى آخرها، واستخلاص النتائج، وكشف ملابسات الحادث والأخطاء التي أدت إلى وقوعه. وإنتاج برامج عن حوادث السيارات، وما أكثرها، يتحدث خلالها جميع المعنيون، ويساهم كل واحد منهم بمعلومة وخبرة يستفيد منها المشاهد في يوم ما. 

لماذا لا نستفيد من الأخطاء، ونكرر الخطأ نفسه مرات ومرات بينما في إمكاننا تفادي الكثير من الحوادث القاتلة أو التقليل من أضرارها، ولدينا كل الإمكانيات البشرية والفنية التي تستطيع إنتاج برامج عالية المستوى، ولدينا جمهور متعطّش لمثل هذه البرامج، خصوصاً إذا كانت وليدة بيئته؟

Share |
|
|
|
محمد بابا
25/11/2009 07:37 AM
صحيح ومنطقي جدا ..
أحمد أميري
23/11/2009 01:19 AM
شكراً على تعقيبك أخي بوخليل، وأعجبتني كلمة "كُليمات" فهي فعلاً توجز القضية.
بو خليل
22/11/2009 11:29 AM
هذه هي عادة التلفاز .. لا يهتم سوى بتوافه الأمور أما النشاطات الإنسانية والتي تخدم سلامة المجتمع، لا نجد لها ذكراً ... بالكاد نلقى بعض الكـٌليمات القليلة حول السلامة في منشورات مبتورة في المناسبات الخاصة. تحياتي لك
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01