search
إصدارات
ارتباطات
الكاتب الخبّاز
20/11/2009

 

منذ أن عملتُ خبازاً للمقالات، لم أبعث مقالاً بعد الفراغ منه مباشرة أو بعد النقر على زر نقطة نهاية السطر الأخير. وليس هناك مقال ساخن خارج للتوّ من التنور، وكل ما أنشره لا بد أن يدخل إلى الثلاجة ساعة على الأقل، وسنة على الأكثر. 

فبعد أن يبرد المقال، أستخرجه وأعيد تسخينه مراراً وتكراراً حتى يشتعل الشيب في رأسي وأكره نفسي، فكيف أسخّن ما برد، ولم أسخنه أصلاً وكان بإمكاني إرساله ساخناً؟ لكنني مضطر إلى فعل ذلك، ليصلح للنشر أو بالأحرى للأكل. 

أثناء التسخين أعيد حسابات ومقادير العجين، ونصف كوب من الطحين، وقليل من الماء هنا، وقليل من الملح هنا، وهذه الفكرة تحتاج إلى تخمير وتركيز، وهذه الجملة باردة، وهذه أسخن من المعتاد أو المسموح به، وهذا حشو ممل، وهنا اختصار مخل.  

هذا فيما يتصل بالأسلوب وطريقة العرض، وهناك عملية إعادة خلط العجين في أصل الأفكار والمنطق الذي تتكئ عليه، وكثيراً ما أسأل نفسي أثناء ذلك: هل كنت تريد فعلاً تبني هذا الرأي الأحمق؟ هل هذه الفكرة مناسبة لتطرحها على الملأ يا ابن الذين آمنوا؟ هل هذا ما تحب أن يقرأه اليوم قراؤك، وغداً أبناؤك، ومنكر ونكير يوم وفاتك؟ 

يأتي بعد ذلك دور التحقق من كل معلومة ورقم ومقولة واسم ومصطلح وتاريخ، وكلها تتغربل في الموسوعة الحرة "ويكيبيديا". ولا بد من التثبّت من التدرج في استعمال كل شيء، فإذا قلت مثلاً إنني أرغب في زيارة بكين وطوكيو ومدريد وموسكو، فيجب أن أبحث عن المسافة الجوية بين النقطة التي أكتب منها، مقهى "باب الحارة" مثلاً، وتلك المدن، وذلك عبر موقع متخصص في حساب هذه الخزعبلات. 

ويأتي بعد ذلك دور "Google" العظيم، لأتحقق من صحة المعلومات التي لا تعنى بها الموسوعات، فمثلاً ذكرت الخبز للتو، وتذكرت أنني لست أمي ولا والدتي ولا أعرف أصلاً مكونات الخبز، فرحت أبحث لكن لم أجد موضوعات عن الخبز اللهم إلا دوره في اشعال الثورات، أو المطالبة بدعم الطحين، أو مكوناته من حيث قيمته الغذائية، أو مكونات الخبز الفرنسي، بينما حديثي هنا عن الخبز "الوقافي" وهو المتداول في الإمارات. وربما لاحظت عزيزي أن الخبز لا علاقة له بقضية الكتابة والنشر، لكن الأمر كبر وأصبح قضية، واتصالات بهذه وتلك حتى عرفت المكونات، واستعملتها آنفاً.   

ثم يأتي دور التحقق من سلامة اللغة، ومرّ هنا ذكر الماء والملح، وفجأة نسيت ما هو الجزء من الماء والملح، ويحدث هذا كثيراً، فأحياناً أنسى كيف تكتب أبسط الكلمات، وأقعد لبرهة أفكر هل "هذا" تكتب كما مر أم هكذا: "هاذا". وتذكرت أن للثعالبي كتاباً في مثل هذه الأمور، وبحثت عنه طويلاً حتى وجدته في موقع "الورّاق"، وتأكدت أن الجزء من الماء يسمى "قليل"، وذلك في باب "تفصيل القليل من الأشياء"، لكنني لم أجد شيئاً عن الملح.  

في هذه الحالات أعود إلى "غوغل"، وأكتب: القليل من الملح، وبعض الملح، وشيئاً من الملح، ثم أرى أي العبارات استخدمت أكثر، فتكون هي الأقرب إلى الصحة، وهو ما يسمونه حكمة المجموع. ومثل هذا حدث مع زر لوحة التحكم أو فصّه، التي ذكرتها في صدر المقال، فكان مجموع الزر أكثر من الفص.  

وأثناء كل هذا البحث والقيل والقال، تأتي أفكار لمقالات أخرى، بل إن هذا المقال خرج من التنور على هيئة مغايرة تماماً، وكانت فكرته مجرد فكرة تدعيمية لفكرة أخرى.  

وهكذا أنغمس في الكتابة والجرح والتعديل لأقدم في نهاية المطاف أفضل خبز ممكن للقارئ، لآكل بعد ذلك الثمن بالهناء والعافية.

Share |
|
|
|
أحمد أميري
8/12/2009 12:07 AM
كثيرون يصنعون أخي محمد بابا لكن لكل واحد نكهته، وأرجو أن تكون صناعتي "Made In German"
محمد بابا
25/11/2009 07:33 AM
تلك صناعة لا يتقنها غيرك أستاذ أحمد .. تحياتي ..
أحمد أميري
24/11/2009 07:45 AM
لا تخف يا عزيزي أحمد الهاشمي، فأنا أقف في وجه الأزمة العالمية ولن تستطيع التأثير علي.
أحمد عبدالله الهاشمي
23/11/2009 11:26 AM
ولماذا تنزعج بهذه السهولة عزيزي أحمد أميري في الكتباة والتعديل والحرق في الأفران. ليست فقط عندنا وحدنا الازمة ... وما الذي اكتشفته الازمة وماذا تستطيع أن تفعل أنت في مواجهتها هل أصبحنا ضعافا جدا الى هذه الدرجة وأكثر ؟ وهل اصبح غيرنا قويا الى درجة تجعلنا نقول حاضر وتحرمنا من الحياة والعمل!!! ظهرت الأزمة عندنا بكل وضوح وبدون مجاملة و يعتقد البعض أن حل الأزمة في لعبة الكراسي( ضع هذا وشيل ذاك ) وهل طلوع الهذا من منصبه تتوجب فضيحه أوجريمة......هل تبين لنا فشل برنامج اعداد القادة الشباب ؟؟؟؟ ولكن هذا لن يغير ذلك من حقيقة أننا نواجه أزمة ليست مالية أو ادارية أو تعليمه وأيضا فنية فقد تم جر أقدام بعض الفنانيين اليها وأي فنانين أحب فنانيينا ومطربينا ومن نفتخر بهم ..... هنالك شيء خطأ وهنالك من يلعب في الماء العكر ولمصلحة من !!!!!!! الماده الاولى كل ما هو مرتبط بالنجاح ومن كان يديره وشخصيا أعتبره نوع من النقد الذاتي والذي لن يؤدي الى اضعاف ولا اسقاط النجاح والرؤى ومهما انتقد الاخر فلن يكون أصدق منا في الدليل على حريتنا وأننا نعي وصادقون ومخلصون ومحبون لوطننا وانجازتنا ومجدنا وسنواصل العمل كل من مكانه ‏ظهرت الأزمة وانقلبت الدنيا ولم أفهم؟ واتحدى أن يكون هنالك أحد قد فهم . لقد ولدت هذه الازمة وعيا كاملا وجعلت اقتصادنا أكثر نضوجا ووعيا ومع هذا يجب أن تضيف الأزمة الى رصيدنا وطاقاتنا وتكون صدى لنا ولسنا بحاجه لنفسر ونبرر ونشرح فربما يرى أحد هذا بشعا ومهما حاولت نيران ودخان الحاسدين فلن تهزناهذه الأزمة ولا ألف أزمة . ومهما كانت الحيل في جذب واضعاف ثقتنا باقتصادنا فنحن نعرفها ونعرف أيضا كيف نعالجها ونجعلها في خدمتنا . فمن يريد أن يقول فليقل .هو يقول ونحن نعمل ونتحدى ونثبت . نحن الذين على حق . لأجل ذلك أرجوك أحمد أميري أن تواصل ما بدأته ولا أن تتطال الأزمة مبدعينا وأنت منهم.
أحمد أميري
23/11/2009 01:17 AM
* عسى أن يكون خبزي لذيذاً دائماً أخي نبيل علوش، والأهم أن يكون طازج. * شكراً أختي لطيفة الحاج، وكل شيء في هذه الدنيا بثمنه كما يقولون، وأرجو فعلاً أن يكون ما أخبزه صالحاً للأكل، لأنني أقضي الكثير من الوقت في إعداده، وشيئاً فشيئاً أفقد أصدقائي لأنني لا أجد الوقت لأجتمع بهم.
لطيفة الحاج
21/11/2009 01:45 AM
وهذا ما يميز خباز المقالات المتمكن عن غيره! تقضي وقتا في صنع أرغفة نحبها وتلذذ بها، شكرا أستاذ ..
nabil.alloush
20/11/2009 1:36 PM
خَبيزك مٌتخمّر ذو نَفَسٍ أصيل. أحب خُبزك و خَبيزك. دمت سالماً.
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01