search
إصدارات
ارتباطات
العودة "المستحيلة" إلى الثمانينيات
10/12/2009

 

يدعو بعض الناس للعودة إلى عقد الثمانينيات من القرن الماضي، كأنّ الأمر: عُد فيعود.

واختيار تلك الفترة لم يأتِ اعتباطاً، وإنما لأنها الفترة الوسط بين عصر ما قبل النفط، أي الزمن الجميل والشاق والخامل والهادئ، حيث التنقل على ظهور الجمال والحمير، والعيش في خيام وعريش، والدخل شحيح ما بين غوص وصيد ورعي وزراعة وشيء من التجارة. وبين عصر الإنترنت الحالي، أي الزمن الرديء والمريح والنشط والمتوتر، حيث السيارات الفارهة والفلل الكبيرة والأبراج الشاهقة والمجمعات السكنية الضخمة، والدخل الوفير والسريع.   

بينما فترة الثمانينيات "المقدسة" كانت الوسط بين الفترتين، فلا الناس تشقى في خيام ما قبل النفط، ولا تُباعد بينها الفلل الفخمة هذه الأيام، وإنما يعيشون مترابطين متآلفين في بيوت شعبية ضمن "الفرجان". ولا يتنقلون على ظهور الحمير ولا يطيرون بالسيارات الصاروخية. ولا يتعرضون لخطر الموت في سبيل لقمة العيش، ولا يجنون الملايين بالمضاربة في سوق الأسهم أو بيع العقارات على الورق. 

والوضع المعيشي تحسّن في فترة الثمانينيات لكن بلا غلاء معيشي عاصف. وتطورت البلاد وازدهرت لكن من دون أن تكون محاطة ببحر من الأجانب. وتوفرت طرق المواصلات لكن من دون ازدحام مروري وضحايا إسفلت. واستبدلت المدارس الحكومية بالكتاتيب والفصول الدراسية الترابية، وأنشئت الجامعات والمعاهد لكن من دون أن يكون هناك أي اختلاط أو مدارس خاصة أو مدارس الغد أو الخبراء الأجانب الذين "لا يفهمون شيء". وارتفع متوسط عمر الفرد في الثمانينيات لكن لم تكن هناك أمراض قاتلة كالسرطان. وأصبحت البلاد واحة للأمن والأمان ولم تكن هناك جرائم مروّعة ولا تفكك أسري ولا ظواهر دخيلة ولا هم يحزنون.  

ويشبّهه المفكر العراقي علي الوردي هذا النمط من التفكير، أو الحلم بالعودة المستحيلة، بأنه كمن يشتري البطيخ، فالخيار بيده، والبطيخ المختلف ألوانه أمامه، ويقول: "إن الحضارة جهاز مترابط لا يمكن تجزئته أو فصل أعضائه بعضها عن بعض. فالحضارة حين ترد تأتي بحسناتها وسيئاتها. وليس في الإمكان وضع رقيب على الحدود يختار لنا منها الحسن ويطرد السيئ، ومعنى هذا أنها تيار جارف لا يمكن الوقوف في وجهه". 

ثم يصف أفراد المجتمع النشط بأنهم "يسيرون على عجل، فإذا سألتهم: إلى أين؟ همهموا بكلمات غامضة واستمروا في سيرهم مسرعين". بينما أفراد المجتمع الراكد "يسيرون الهوينى ويشعرون بأن الأيام طويلة فلا داعي للهلع فيها. همُّ أحدهم أن يصغي إلى قصص الأولين وأساطيرهم مرة بعد مرة وهو سعيد يشعر أنه سائر في سبيل الخلود الذي لا عناء فيه".  

ويضع الوردي الإنسان أمام طريقين متعاكسين يستحيل أن يسير فيهما معاً: "طريق الطمأنينة والركود، أو طريق القلق والتطور". ويصف من يعتقدون أن المجتمع قادر على أن يكون "مطمئناً مؤمناً متمسكاً بالتقاليد القديمة من جهة، وأن يكون متطوراً يسير في سبيل الحضارة النامية من الجهة الأخرى"، بأن لهم "خيالاً غريباً لا ينبعث إلا في أذهان أصحاب البرج العاجي الذين يغفلون عن حقيقة المجتمع الذي يعيشون فيه".  

ويرسم الوردي الطريق لمن يرفض هذا التطوّر والتحضّر والتمدّن، بأن "يقعد في بيته حتى يصبح محطّ سخرية الناس، بعد أن تطلب امرأته الطلاق ويهجره الأولاد ويزوروه في الأعياد للسلام على أبيهم الزاهد". 

ويختم بالقول: "وليس أريد بكتابي (مهزلة العقل البشري) أن أمجّد الحضارة الغربية أو أدعو إليها، إنما قصدي أن أقول: إنه لا بد مما ليس منه بُدّ". 

Share |
|
|
|
جمال سالم
6/1/2010 12:35 AM
لقد كسبنا ماضينا وبنينا مستقبلنا ونعمل الان لحاضرنا
أحمد أميري
16/12/2009 12:42 PM
* أخي بوخليل: التفكير لا شيء فيه، لكن رفض الواقع الحالي وعدم التكيف معه لأن الماضي كان أجمل، هو المشكلة. * أخي محمد بابا: شكراً لك، نعم لا بد أن يحدث ما ذكرت. * نوافذ كوم: شكراً. * أخي الهاشمي: أنا لا أطالب بعودة الثمانينيات، لأنني أصلاً ضد فكرة "الزمن الجميل"، وتعليقك مفيد لجماعة عشاق الثمانينيات، الذين كانوا في ذلك الزمن يعشقون زمن الستينيات، وهكذا. * شكراً أختي منى بيومي وكلامك صحيح مليون بالمئة.
منى بيومى
16/12/2009 01:23 AM
للكل زمن احداث خاصة به وتاريخ يميزه عن غيره فهذه طريقة تسلسلية يفرضها الواقع لتصبح تاريخ يدون و يدرس ليستفادمن سلبياته وإجابياته فمن ليس له ماضى ليس له حاضر،بدليل ذكرنا الدائم للكل ماضى فى حياتنا وجميل ان لانسى ماضينا والاجمل ان نسفيد من اخطاء من سبقنا والعمل على تفاديها و كذلك مثل ماللماضى من سلبيات واجابيات فللحاضر كذلك. ولن تتوقف عجلة الازمان عند حد معين ، فعلينا فقط ان نتعلم من كل زمن ونأخذ منه ما ينفعنا ونترك غيره شكراً أميرى
أحمد عبدالله الهاشمي
13/12/2009 1:17 PM
القضية ليست زمن الثمانينات!! وانما اذا كان هذا حالنا في الثمانينات فما الذي يجب أن نفعله !!! الاصلاح الاقتصادي والاجتماعي الحاصل حاليا هو أكبر دليل على بداية عصر النهضه الذي انطلق من امارة دبي لقد نجحت سياسة الشيخ محمد بن راشد في القضاء على السلبية واللا مبالاة الموجودة منذ زمن الثمانينات انظر بنفسك لتعرف فان كنا لا نعرف عيوبنا الان بتنا نعرفها منتهى الشفافية ولقد تعلمنا من نجاحات دبي كيف نحلل وندرس ونضع أي مشروع موضوع التطبيق والنجاح انها قيادة نحو النجاح بل تغيير كامل في وقت بسيط. ما الخطأ حاليا وماهي العقوبة التي تجبرنا على العودة للزمن القديم ... اذا كان هنالك خوف فلنواجهه ونغيره ونحن أجدر على أن نتحدى كل المخاوف طبعا بالعقل وبالمنطق وليس بالرجوع للماضي أرجوك يا أميري اذكر لي شعبا واحدا في العالم استطاع أن ينجح في يوم وليله ويتغلب على مشاكله الاقتصادية والاجتماعية لا سنه ولا عشر سنوات ... ولكن نحن عشنا أروع لحظات الممتده من عام 2006 والى عام 2009 أروع سنينا انها لحظات في تاريخ شعب الامارات ..ونستحق أن نهنئ أنفسنا . لقد كسبنا ماضينا وبنينا مستقبلنا ونعمل الان لحاضرنا ... المطلوب منا الان أن نعلم الذي يود أن يعرف من نحن !!! فهل نويت فعلا السفر الى الزمن القديم زمن الثمانينات !!! أقول لك عزيزي أحمد أميري : لن تشعر مرارة ذلك الزمن لوقوعك تحت التخدير ولربما لن تشعر بشيء ...وأنا مؤمن أن ذاك الوقت أفشل وأزفت حيث لم يكن النجاح في أي شيء ضروريا.... ولأني لن أعمل على تهدئة أعصابك أرجوك أفق من هذه الغيبوبه الثمانينيه . حسب ما تعلمت في الجامعه وبالتحديد بعدما تعرفت الى ثقافات أخرى وجدت أن الازمات والمشاكل ضرورية في حياتنا لكي ننجح بل لنحظى بالمركز الأول . كرهت الثمانيات لان العديدين كانوا بسطاء ويمكنك القول عاديون وع باب الله ولا أذكر أي شيء جميل فيها غير الفشل والفقر والاحباط .
نوافذ كوم نافذة الالعاب
12/12/2009 03:31 AM
شكرا جزيلا علي الموضوع المتميز والمفيد تحياتي
بو خليل
11/12/2009 04:21 AM
هممممم حتى ولو كان العودة الى الوراء مستحيلة ... لكن التفكير بها أمر لطيف .. الحمد لله على اني ولدت بأيام الثمانينات على الأقل ... ولحقت على أواخر هاي الحقبة والحياة اللي كانت جميلة الى حد ما ... تحياتي لك ...
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01