search
إصدارات
ارتباطات
بيت "بابا عود"
14/1/2010

 

ما أن يشرّف الطفل في عائلتنا، يقطع سؤال تهديدي صرخته الأولى: هل تقرُّ على نفسك بأنك فرد منا، وأن عليك الالتزام بحضور الاجتماع الأسبوعي في بيت "بابا عود"؟ وليس هناك مفر من قوله "بلى" والقماط الأبيض يرفرف أمامه. 
 
يُعقد هذا الاجتماع كل يوم جمعة، ومنذ أكثر من ثلاثة عقود، في بيت بابا عود، أي الأب الكبير، الذي هو أبي، وهو اسم يتداوله صغار العائلة.

وحالياً تجتمع أربعة أجيال، ودائماً هناك أماكن منفصلة للرجال، وللنساء، وللأولاد، وللبنات، والأطفال في الفناء صيفاً وشتاءً.. وهذا ليس دليل ثراء وبحبوحة، فالمجلس الرجالي هو الوحيد الواسع، والنسائي واسع بعض الشيء، وبقية المجالس ليست سوى زوايا جانبية.

وبالبداهة، هناك ترقيات من مجلس إلى آخر، فمن يقترب من سن البلوغ يُدفع إلى عالم الكبار. وعلى الرغم من أن الأسر الصغيرة التي تتكون منها عائلاتنا ترسم حياتها بنفسها، إلا أنها تجد من يتدخل في خصوصياتها أحياناً، وتتورّط في أحيان أخرى بزواج الأقارب، لكن لبيت بابا عود إيجابيات تهون معها السلبيات. 

فبيت بابا عود أبقى حبل الرحم مشدوداً. لأن الاجتماعات العابرة في أيام الأعياد والمناسبات تهرئ الحبل، فـ"البعيد عن العين بعيد عن القلب"، وحين يشعر الجميع بأنهم لا يلتقون إلا مجاملة وأداءً للواجب، ينقطع الحبل ويذهب كلٌ في حاله. 

وبيت بابا عود لا يتأخر في تقديم الدعم المادي لأفراده، فعدا عن الجمعية التعاونية التي يستفيد منها الجميع، فهناك صندوق للتكافل العائلي، له حساباته وإجراءاته وإيراداته وأبواب صرف أمواله. 

ولا يمكن تجاهل دور بيت بابا عود في توفير الأمن والأمان وإبعاد شبح الخوف من المستقبل من أذهاننا، فأنا على ثقة بأن عيالي لن يهيموا على وجوههم إذا ما قبض عزرائيل روحي وقذفني المشيّعون في حفرتي. ونسائنا يدركن أن هناك من يسندهن لو غدر بهن الزمان أو لعب أزواجهن بأذيالهم أو أساؤوا إليهن.  

وبيت بابا عود يعيد أحياناً صيانة العلاقات الزوجية بدلاً من اللجوء إلى المحاكم مع أول مشكلة. ويخفف من تأثير تضاؤل دور الأسرة في تربية الطفل وتركه ليربيه التلفزيون والألعاب الإلكترونية والإنترنت والماسنجر. ويفيد الأبوان الضعيفان أو المتساهلان، فيأتي بيت بابا عود ليعزز من سلطتهما التربوية.   

وبيت بابا عود هو المستشفى الأولي، فالخبرة الطبية المتراكمة لدينا، أو لدى أبي وأمي تحديداً، تقلل من لجوئنا إلى المستشفيات والارتهان لعقاقير الأطباء، وتعطينا الفرصة للشفاء بالطب الشعبي والموروث، خصوصاً في الأمراض العادية. فلو سألت الطبيب عن أكل البرتقال أثناء الإصابة بالكحة، فإنه سيقول: ممتاز لأن البرتقال يحتوي على فيتامين سي، بينما نحن نعرف أن البرتقال يهيّج الصدر ويطيل أمد الكحّة، وكذلك العنب والموز والخيار. وأكثر من مرة شمّر الأطباء عن سواعدهم استعداداً للتدخل الجراحي، لكن جاء العلاج على يد أمي.

ولبيت بابا عود دور في تأهيل أبناء العائلة اجتماعياً، وتعريفهم بقيم وأعراف وضوابط المجتمع، خصوصاً إذا كان أحد الوالدين غريباً عن المجتمع ولا يعرف عن عاداته شيئاً، ما يضمن أن يتفاعلوا غداً مع مجتمعهم ويندمجوا فيه بشكل طبيعي.  

وأكثر المستفيدين من بيت بابا عود هم الشباب، فالشاب، نظراً لقلة خبرته، قد تضيع بوصلته ويخطئ اختيار الطريق، خصوصاً أنه في الغالب لا يحتكّ إلا بأقرانه، ولا يمكن للوالدين أن يفعلوا كل شيء دون الاستعانة بالدور الإرشادي لبيت بابا عود، فهناك عشرات الأشخاص قبله قد درسوا وتخرجوا وتوظّفوا وتزوّجوا وأنجبوا الأطفال، وتاجروا وربحوا، وتاجروا وأفلسوا، وخَبِروا الحياة وعُجنوا فيها.  

والفائدة الأكبر تكون في مجلس الكبار، فنحن نتشاور ونتبادل الخبرات، والرأي الهزيل أو الضعيف لا يجد له محلاً من الإعراب، وليس من السهل أن تعصف بنا الأفكار الشاذة، وفي كل جمعة ينضج الجميع أكثر على المقلاة الكبرى. 

لكن المشكلة المزمنة هو أن البالغين للتوّ هم أكثر من يتخلّف عن ركب الاجتماع. صحيح أن معظمهم يقبل النصح والإرشاد و"التهزيق" إلى أن ينضج وتتكون شخصيته المستقلة، إلا أن قلة منهم يكونون أكبر من النصيحة، فتواصل القافلة سيرها من دونهم، فلا ينتفعون، ولا يضرّون. وهم على المدى الطويل خاسرون، لأن أبنائهم لن يعرفوا قيمة العائلة وأهميتها، وسيكونون هم ضحاياهم حين يستقل الأبناء قطار المستقبل ويتركوا الآباء والأمهات يكفكفون دموعهم في المحطة الأخيرة. 

وأعرف جيداً سبب التخلّف أو التهرّب، فقد واجهتُ ما يواجهونه في أيام مراهقتي، ففي هذا الاجتماع تُلاحظ أنماط السلوك ويمكن التحقق من مدى الالتزام بالقيم الاجتماعية والدينية، فيُكرم المرء في هذا اليوم أو يُهان. 

فمن يحلم بجعل رأسه برتقالة مقشّرة على يد الحلاق، سيحلم أيضاً بيوم الجمعة حين يدلي الجميع بدلائهم على رأسه. ومن تسوّل له نفسه تقليد رفاقه بالوشم والتاتو وبقية الخزعبلات، سيدرك أن الدخول إلى بيت بابا عود بهذا المنظر من سابع المستحيلات. ومن يفكّر في استعمال المخدرات، سيتذكّر أن مِن بين الحضور مَن يعرفون أعراض المدمنين. ومن تأخذه حماسة الشباب وغروره لينضم إلى جماعات مشبوهة، سيجد من يوضح له خطأ مسلكه، وغسيل الدماغ الذي تعرض له.  

والمتفوق في بيت بابا عود يجلس مبتسماً، والمتأخر يضع يده على قلبه. وبيت بابا عود يزرع روح التحدي ويخلق جواً من المنافسة الشريفة، أو التي يُفترض أنها شريفة، بين أبناء كل جيل، فالابن يحاول أن يسابق ابن عمه، والبنت تريد أن تتحدى ابنة خالتها، وفي هذا مصلحتهم. بالطبع، يفضّل هؤلاء عدم التعرض لهذا الامتحان الأسبوعي، لكن كما قال ابن عباس: "مَن لم يَجْلِس في الصِّغر حيثُ يَكْره لم يَجْلِس في الكبر حيث يُحب". 

انحسار دور العائلة لا يخلو من إيجابيات، لكن شتان بين انحسار الدور وبين تلاشيه تماماً، ومن الحكمة أن تحافظ العائلات على تواصلها الأسبوعي المنتظم، فمن شأن هذا الاجتماع أن يصحح بعض الأوضاع المقلقة في المجتمع، ويخفف من تبعات ركضنا المستمر لتوفير ضروريات وكماليات الحياة على حساب أبنائنا وتربيتهم، خصوصاً أن المدرسة لا تستطيع فعل كل شيء بمفردها.

لكن يفترض أن تكون العائلة إجمالاً عائلة عاقلة وناضجة وحكيمة وخيّرة، تصلح أن تكون خط الدفاع الأخير أمام تجاوزات الأبناء، والملاذ الأول لمن تعرض للظلم والأذى. أما العائلة التي لا يرجى منها خير، ولا حكمة، فمن الأفضل عدم التلوث بالجو غير السليم الذي يحيط بها.   

إذا كانت الأسر النووية التي تتكون منها الأسر الممتدة أو العائلة الكبيرة، لن تعود للعيش المشترك في بيت العائلة بعد أن عرفت الاستقلالية واشترت راحتها، فإنه من المهم أن تجتمع هذه الأسر ولو لمرة واحدة في الأسبوع في بيت كبير العائلة أو "بابا عود".

 

 


Share |
|
|
|
أحمد أميري
16/1/2010 8:19 PM
شكراً أخي بوخليل والأمر كما تفضلت تماماً، فعندما كنت أسكن شخصياً في بيت بابا عود كانت حياتي ترتبك قليلاً يوم الجمعة، لكن في سبيل اجتماع الأهل والأقارب يهون كل شيء، ومن أراد العسل عليه أن يتحمل النحل.
بو خليل
16/1/2010 12:45 AM
والله شيء حلو اجتماع العائلة في بيت خاص يجمعهم .. لكن، لن يكون الوضع مريحاً كثيراً عندما يكون هذا البيت هو بيتك ... أو البيت الذي تعيش فيه، لأانه بيترتب عليه تجهيزات واستقبالات لكل الحاضرين والقادمين ... مع هذا كله، معك حق، فبيت ( بابا عود ) له أهمية كبيرة جداً، ويجب المحافظة عليه قدر الامكان، ضمن نشوء العائلات بشكل منفصل بعيداً عن التجمع العائلي لها ... لك اطيب تحية وتقدير ^_^
Latifa .A
15/1/2010 3:41 PM
yaah,, i totally agree Anytime MrA7mad..Actually thank YOU for mentioning such an important topic i hope someone reads it and make change for the better,, having a family is a blessing and many ppl take it 4 granted
أحمد أميري
15/1/2010 11:51 AM
مشكورة أختي لطيفة و"من بوقك لباب السما" كما يقولون، وليست هناك علاقة بين شخصين إلا وكانت بينهما بعض المشاكل فما بالك بأسر كثيرة في عائلة واحدة؟ يقولون إن هناك أكثر من سبب لنشوب الحرب وفي المقابل هناك أسباب أكثر لعدم نشوب الحرب، فبعض الناس تأخذ الجانب السلبي من كل شيء وتترك إيجابياته.
Latifa .A
14/1/2010 3:45 PM
Alla yjma3kum 3ala 5air alwayz inshalla I agree on the importance of making a weekly family day due to the benefits of it on the children mostly, since it teaches them how to behave in the society. I know many people who stopped attending their family days to avoid problems or sensetivities between the family members, but i think family bonds should be stronger than the problems they face because at the end the children will suffer of not knowing their uncles/aunts/cousinz it will deprive them of the love and support a strong family bond gives
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01