search
إصدارات
ارتباطات
شمس الاعتدال الماليزي
25/1/2010

 

هل بدأت شمس الاعتدال الماليزي في الغروب؟ وهل ستذهب الهالة عن تجربة "الإسلام الماليزي" وستكفّ دعوات استلهام هذه التجربة التي استطاعت الموازنة بين الإسلام والعصر والدخول في عالم المعرفة والتقدم والتنمية والتدرّج الديمقراطي والتقدم في مجال حقوق الإنسان؟ 

ماليزيا تعتز بأنها دولة متسامحة، تقدم رؤية مختلفة بشأن الخطاب الإسلامي مستمدة من الثقافة الآسيوية، مكّنت من تعايش الأغلبية الملاوية التي تدين بالإسلام، مع الأقلية الصينية والهندية التي تدين بالبوذية والمسيحية والهندوسية. ولذلك، انطلقت في العام الماضي حملة بعنوان "ماليزيا 1"، تهدف إلى تشجيع التعددية الثقافية والتفاهم والتسامح بين الجاليات الدينية والعرقية في كافة أنحاء البلاد. 

لكن ماليزيا أدارت ظهرها لتاريخها المتسامح ولحملتها التشجيعية، وتشهد اليوم توتراً متصاعداً بين المسلمين والمسيحيين، لأن صحيفة تتبع الكنيسة كسبت دعوى قضائية ضد قرار حكومي سابق يمنعها من استخدام اسم الجلالة "الله" بمنطوقه العربي، للإشارة إلى "ربّ" المسيحيين، أو يسمح لها بالاستخدام المشروط من خلال كتابة تنبيه على غلاف الصحيفة يقول "للمسيحيين فقط"، ليكون ما يُنسب في الصحيفة إلى الله، مختصاً بالعقيدة المسيحية فقط.  

الحكومة الماليزية رأت أن الاسم "موقوف على المسلمين فقط"، وقال مسؤول حكومي إن إصرار الكاثوليك على استخدام الاسم يأتي ضمن حملة تهدف إلى "التشويش على الشعب المسلم"، مقترحاً على الصحيفة استخدام لفظة "تيوهان" المرادفة في اللغة الملاوية لكلمة "الرب" وكلمة "غاد" الإنجليزية. 
 
بينما الكنيسة الكاثوليكية تقول إن لفظة الجلالة "الله" واسعة الانتشار في ماليزيا، ولا يمكن أن تكون مقصورة على المسلمين. وقالت الصحيفة إنها تهدف من استخدام الاسم إلى خدمة المسيحيين الناطقين بلغة الملايو، وأن لفظة "الله" استخدمت في أول ترجمة للإنجيل باللغة الملاوية، وأنها لفظة دارجة الاستخدام في أدبيات المسيحيين في كل أنحاء العالم.  

ويبدو أن المحكمة التي أنصفت المسيحيين لم تقتنع بالحجة الحكومية، وهي فعلاً حجة واهية، فالله رب الجميع، ولو فتح هذا الباب فلن يغلق أبداً، وسيظهر من بين المسلمين أنفسهم مَن يمنع مسلمين آخرين من استخدام المفردات الإسلامية لأنهم ليسوا مسلمين كما ينبغي. 

ثم إن المسلمين في الكثير من بقاع الأرض يمارسون نشر الدعوة بحرية، فكيف يمنعون غير المسلمين من استخدام لفظة "الله" خوفاً من التشويش؟ فحتى إن كان الهدف هو التشويش على المسلمين، فالمسلمون في المقابل لا يكتفون بالتشويش على غيرهم، وإنما يدعونهم إلى دينهم علانية.    

ومن الطبيعي أن ينتقل هذا الجدل إلى الشارع، خصوصاً أن الخصم ليس مجرد حزب إسلامي أو جماعة متطرفة، وإنما الحكومة الماليزية نفسها، ويتصاعد الموقف إلى هجوم على عدد من الكنائس والمباني المسيحية وتعرضها لتخريب وتحريق.  

ويبدو أن الماليزيين لا يعرفون قيمة إسلامهم الحضاري والتفسير المتقدم والعصري للإسلام الذي كان أحد أسباب تقدمهم، ولا يدرون أن الكثير من العرب يتمنون لو تشرق شمس الاعتدال الماليزي على بلادهم التي ابتليت بالمتشددين الذين يقفون في وجه محاولات التقدم والتنمية، ولا يعترفون بالآخر لأن العالم في نظرهم إما مسلم أو كافر.  

ويبدو أن العكس هو الذي يمكن أن يحدث، فبدلاً من أن يستلهم العرب الإسلام الماليزي ذا الوجه الصوفي الشافعي، يستلهم الماليزيون الثقافة الدينية السلفية السائدة بين العرب، والخطاب المتطرف المتشنّج اللا عقلاني مع الآخر. وقضية لفظة "الله" ربما تمثّل شارة الانطلاق نحو التشدد والتطرف وانقسام الشعب.  وربما تكون حادثة أخرى هي التي مثّلت الشارة، حين حمل بعض المسلمين في العام الماضي رأس بقرة مقطوعاً إلى أحد المساجد تعبيراً عن استيائهم من بناء معبد هندوسي بالقرب من المسجد، وبالطبع اختار هؤلاء الحمقى رأس بقرة باعتبار الهندوس يقدّسون البقر.  

ومن الواضح أن تأثير المدرسة السلفية بدأ يثمر هناك، حيث بدأ الأمر في مراكز وجامعات، ثم انتشر في أوساط الجمهور المالاوي وظهر بيّناً عبر اللباس والهيئة والتصرفات، وهاهي الحكومة الماليزية بنفسها تقع تحت تأثير هذه الثقافة أو على الأقل تضطر إلى مجاراة الجمهور لأسباب سياسية. 

غروب شمس الاعتدال الماليزي سيوقع العالم الإسلامي في ظلام دامس. 
 

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01