search
إصدارات
ارتباطات
السياسي المتمسّح بالدين
4/2/2010

 

ايريس روبنسون ذات الـ60 خريفاً، عضوة في برلمان إيرلندا الشمالية، ومن أتباع البروتستانتية المتزمتة، ومعروفة بتشددها حيال القيم الدينية في مجتمع يولي الدين أهمية كبرى، إذ عرف عنها تشديدها على مسؤولية الحكومة في تنفيذ قوانين الله. 
 
وفي أحد المرات وصفت المثلية الجنسية بأنها "بغيضة"، وهو تعبير مستعار من الكتاب المقدس. وعندما زاد اللغط حول ما قالته، خرج زوجها رئيس الوزراء ورئيس الحزب الوحدوي الديمقراطي المحافظ اجتماعياً، وقال: "لم تكن هي من قررت أن المثلية الجنسية أمر بغيض، بل كان الله هو من قال بذلك".  

وبعد هذه الموعظة بمدة قصيرة أصبح اسم هذه السيدة "الفاضلة" وزوجها "المحافظ" مثل العلكة يتداول على كل لسان، بعد الكشف عن علاقتها بشاب لا يتجاوز الـ19 ربيعاً، وتورطها بتقديم قرض له بمبلغ 50 ألف جنيه استرلينيى ليفتتح مقهى، وشبهات بشأن علم زوجها "الحِمش" بأمر هذه العلاقة.  

وتالياً خرجت العجوز لتقول إن الله غفر لها علاقتها بالمراهق وأن ما فعلته كان بسبب إصابتها بالاكتئاب، لكن الرأي العام في بلادها لم يغفر لها. علماً بأن الشاب هو الذي "فسخ" العلاقة وأخذ يتهرب من ملاحقة "السيدة المثالية" له، مدعياً إصابته بسرطان في الخصية. 

ومن الطبيعي ألا يغفر الناس خطيئة شخصية سياسية ودينية تهاجم المخطئين وهي أول من يرتكب الخطيئة، وتستلهم أفكارها وتوجهاتها من الكتاب المقدس بينما هي ترتكب الزنا المحظور في الوصايا العشر، وتستغل منصبها في منح الامتيازات غير القانونية. 

لو كانت العجوز المتصابية شخصية عادية ليس لها تأثير على المجتمع في عمومه، ولا علاقة لها بالحكم والسياسة، لما اهتم بها أحد، وهناك الملايين من العجائز المكتئبات، والمجتمع لا يتأثر برجل يثرثر على المقاهي عن الفضيلة والتقوى بينما هو في الحقيقة يمارس كل ما يناقض ذلك. 

لكن الخطيئة الواحدة تصبح خطايا إذا كان مرتكبها شخصية عامة وصاحب قرار، وفوق هذا يتصرف كأنه ظلّ الله على الأرض ويتشدق بالتعاليم الدينية ويحض عليها كلما لمح المايكرفون. 
   
فالسياسي المتمسّح بالدين يُبعد الشبهات حول مهام عمله، ومن الصعب كشف نواياه المحاطة بهالة من الوقار والطُهر. وهو ثانياً يضع العصي الدينية في دواليب التطوير والتحديث، فالدين الذي يتباكى عليه ليس إلا وسيلة لتحقيق المكاسب السياسية والضحك على الذقون، خصوصاً أنه من الصعب معارضته لأن من يعارضه يصوّر بأنه خصم للدين والعياذ بالله. وثالثاً يتسبب في صدمة المجتمع الذي قد ينتج عنها استخفافه بالفضائل والسخرية منها وابتعاده عن الدين والكفر به، بسبب حالة الخلط بين الفضيلة وبين دعاتها، وبين الدين والمتدينين، خصوصاً إذا كان تماهي هؤلاء مع الفضائل والدين شديداً.    

ايريس روبنسون ليست فريدة عصرها، ففي عالمنا العربي هناك شخصيات وأحزاب سياسية  تتظاهر بالدين يشاركونها حياة التناقض، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يقولون، من دون أن يرفل لهم جفن أو يبح لهم صوت. 

سُئل العارف بالله السري السقطي عن الصبر، فجعل يتكلم فيه، فدبّ على رجله عقرب وهي تضربه بإبرتها ضربات كثيرة وهو ساكن، فقيل له: لِمَ لَمْ تنحها؟ قال: استحييت من اللَّه تعالى أن أتكلم في الصبر وَلَمْ أصبر.

Share |
|
|
|
أحمد أميري
17/2/2010 2:03 PM
أعتقد أنه "ليس بعضهم" بل "كلهم" تقريباً.
بو خليل
12/2/2010 12:40 AM
فقط يحدث هذا، لأنه ينطبق عليهم المثل القائل: ( فإن لم تستحي فاصنع ما تشاء ) ... فبعضهم للأسف الشديد، يأتيك بأحاديث وأقوال لا تمت لواقعه ولا يهمه اي هم مهما كان .. تحياتي
أحمد أميري
6/2/2010 2:03 PM
نعم أخي بو خليل الأمر مضحك ومخجل أيضاً، وأكثر ما يضحك في الموضوع هو السبب الذي اخترعه الشاب ليهرب من ملاحقات العجوز. بخصوص حكاية السري السقطي، فللأسف كتب التراث مليئة بهذه الومضات الإيمانية واللطائف الربانية، لكنها محجوبة عن الناس لأن القائمين على أمور الدين لا يناسبهم هذا الكلام، لأنهم أصلاً يفعلون عكسه تماماً.. فإذا تحدث الإمام أو الداعية عن العمل وعن يد العامل المتششقة التي يحبها الله ورسوله، ثم أورد قصة السري السقطي، فإن الناس سيقولون: وأين يدك أنت "المربرة" من يد العامل المسكين، لماذا لا تستحي من الله قليلاً؟
بو خليل
5/2/2010 2:22 PM
والله إنه أمر مضحك هذا اللي نسمع به ناس تسوي عمارها رهباناً وهم بالنهاية مالهم خص بالسالفة ... عجبني المثل عن السقطي ... فمع انه له الحق بتنحي العقرب عنه لكنه لم يفعل استحياءً من الله .. تحياتي ^_^
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01